هل الإنجاز مسؤولية الفرد أو المجتمع؟
من المسؤول عن الإنجاز وصناعة الحضارة، هل هو الفرد أو المجتمع؟ ومن المسؤول عن تطوير الذات، هل هو الفرد أو المجتمع؟ هذا السؤال مهم جدا، فهل يتحمل الفرد المسؤولية أو يتركها على المجتمع؟ وهل تسن القوانين لمصلحة الفرد أو لمصلحة المجتمع؟ وإذا أردنا أن نرفع الإنتاجية ونحقق الرفاه، فهل يكون التركيز على الفرد أو على المجتمع؟
العلوم الإنسانية والاجتماعية:
لعبت المختبرات والتجارب دورا رئيسيا في إثبات أو دحض الكثير من نظريات العلم الطبيعي وكان لفلسفة هيوم ولوك الدور البارز في دعم الفكر التجريبي. وقد تطورت النظريات العلمية تدريجيا معتمدة على النظريات التي سبقتها كما هو المعتاد في تطور العلوم والحياة البشرية بصورة عامة. أما العلوم الإنسانية والاجتماعية كالتاريخ والاقتصاد فكان من الصعب إخضاعها للمختبرات والتجارب نظرا لطبيعة القضايا المدروسة ولطول المدة التي يحتاجها الباحث والتي تتعدى العشرات بل المئات من السنين. وهنا يتبين مدى الصعوبة التي واجهها المفكرون في هذه القضايا كآدم سميث مؤسس الرأسمالية وكارل ماركس مؤسس الماركسية. ونحن إذ نراجع نظرياتهم الآن فإننا نستفيد من التطبيق العملي للنظريتين وكأننا قد أخضعناهم لتجربة عملية استغرقت قرنين ونصف من الزمن للنظرية الرأسمالية وحوالي قرن من الزمن للنظرية الماركسية.
النظريات كالنبات:
تحتاج النباتات لمناخات ملائمة للنمو كالأرض الخصبة والماء وضوء الشمس والحرارة المناسبة. وحين ننظر في تاريخ العلوم نجد أن النظريات الفكرية تحتاج كذلك الى مناخات مناسبة. ولذلك فعند مراجعة أي نظرية فكرية، يجب علينا فهم المناخات التي دفعت واضع النظرية لتبني أفكاره وكيف أستدل عليها. ومن هذه المناخات المهمة المناخ الفكري والمناخ الاقتصادي والمناخ الديني وحالة الشخص النفسية والاجتماعية. وسنستعرض فيما يلي ثلاث نظريات تتحدث عن علاقة الفرد و المجتمع.
النظرية الأولى و هي الرأسمالية:
تقول بأن الفرد هو الأصل فهو المنجز وصانع الحضارة، فإنتاج المجتمع ما هو إلا مجموع إنجازات الأفراد. فالمجتمع يشبه مركبا صناعيا كالسيارة، تتركب أجزاؤه من أفراد المجتمع، فكل فرد كأي جزء من السيارة يؤدي دوره ليتحرك المجتمع. فالأصل هو الأجزاء المختلفة التي تقوم بأدوارها ويتكون من مجموعها المجتمع أو السيارة. وبناء عليه، يجب احترام أصالة الفرد وسن القوانين التي تحافظ على حريته في الاستثمار والإنتاج والاستهلاك لأن مصلحته الفردية هي الأساس، أما المصلحة الاجتماعية فهي حصيلة مجموع مصالح الأفراد. وهذه هي القاعدة الفلسفية للنظام الرأسمالي.
تبلورت هذه الرابطة الميكانيكية بين الفرد والمجتمع منذ عهد آدم سميث عبر نظريته المعروفة في توزيع العمل. وهي ببساطة ترى أن الإنتاجية ترتفع كثيرا حين يتخصص كل فرد بجزء صغير من العملية الإنتاجية، فمثلا لو فكرنا في مصنع للكراسي فهناك خياران هما:
الخيار الأول: أن يصنع الفرد لوحده أجزاء الكرسي المختلفة من مسامير وأرجل وقاعدة وخلفية ثم يجمعها.
الخيار الثاني: أن يتوزع العمل بين عدة أشخاص كل في تخصصه، فأحدهم يصنع الأرجل وآخر يصنع القاعدة وآخر يصنع المسامير ثم تجمع هذه الأجزاء.
وهكذا برهن آدم سميث على أن الخيار الثاني أكثر سرعة وإنتاجية.
وأستخدم هنري فورد نفس النظرية في صناعة السيارات حين استفاد من فكرة خط التجميع، فكل مجموعة من العمال تتخصص في صناعة جزء من السيارة وتضعه على خط التجميع لتصل الى مجموعة آخرى فتضيف جزءا آخر وهكذا حتى يتم تجميع السيارة في آخر خط التجميع.
ويؤيد توزيع العمل وخط التجميع فكرة أن الإنجاز الجماعي يعادل مجموع إنجاز الأفراد. ولذلك ركزت مبادئ الإدارة حتى منتصف القرن العشرين على ذات الفرد وزيادة إنتاجيته في المصنع.
وقد رأى بعض المفكرين أن الحضارة ماهي إلا نتاج عدد قليل من المبدعين وهم يستحقون بجدارة أن يجنوا ثمرة إبداعهم. فهم يرون أن التطور الحضاري يستدعي تشجيع المبدعين واستثمار طاقاتهم اللامتناهية. ولذلك لا مانع لديهم أن يكون المبدع جشعا فيحصل على نصيب الأسد من أرباح العملية الإنتاجية، وبهذا برروا النظرية الرأسمالية ومانتج عنها من طبقية فاحشة في توزيع الثروة. ومن نتائج هذه المدرسة، نشأت مدرسة تقدير واحترام الذات ( self esteem) في الثمانينات والتي نادت بأنه من حق المبدع أن يشبع شهواته من ملذات الدنيا دون قيود، حتى يحرر طاقاته اللامتناهية فتنتج مزيدا من الإبداع، راجع كتاب (Selfie)، لمؤلفه (Will Storr) ومع الأسف بنيت هذه النظرية على دراسات تم تحويرها، ونتج عنها الكثير من الانحرافات الخلقية والأمراض النفسية كالنرجسية.
ولاشك أن الرأسمالية شجعت المصلحة المادية للأفراد وأشعلت روح المنافسة فنتج عنها التطور والرفاه الاقتصادي المعاصر. ولكنها أنتجت الكثير من السلبيات، ونذكر هنا بعض الملاحظات:
- إن هوية الفرد نتاج تفاعل مستمر مع محيطه الاجتماعي، فهي تتأثر بأسرته ومدرسته ومجتمعه والثقافة السائدة في عصره بنسبة كبيرة قد تتجاوز 50؟
- المصلحة الفردية لا تحقق دائما المصلحة الاجتماعية بل قد تكون على النقيض منها كالاحتكار والغش.
- لبت الرأسمالية جشع الأغنياء وظلمت الطبقة العاملة، وخير مثال هو قانون الأجور الحديدي (ديفيد ريكاردو، عام 1817) والذي يعني أن أجور العمالة يحكمه العرض والطلب كأي سلعة استهلاكية، فحين يزداد عدد العمال على الطلب، تنخفض أجورهم الى أقل من الأجر اللازم لتوفير ضروريات الحياة، فيؤدي ذلك الى سوء أحوالهم المعيشية ومن ثم الى موت عدد منهم. وحين يقل عدد العمال عن الطلب ترتفع أجورهم، وهكذا يكون أجر العمال عرضة لتذبذب العرض والطلب دون أي قيد على الحد الأدنى للأجور». وبعد معاناة وصراع طويل من قبل الطبقة العاملة، سنت قوانين تحترم بعض حقوقهم كالحد الأدنى للأجور وعدد ساعات العمل.
- أنتجت الرأسمالية طبقية فاحشة يملك فيها 10% أكثر من نصف الثروة ويتحكمون في عملية الإنتاج برمتها.
- تحكمت الطبقة الغنية في صناعة القرار فسنت القوانين المنحازة لمصالحها.
- الإدارة الميكانيكية التي ركزت على إنتاجية العامل فقدت بريقها في عصر المعلومات التي لا تعتمد على إنتاجية العامل اليدوية بل تحتاج الى ثروته المعلوماتية. ولذلك تطورت الإدارة الى نظم جديدة تحاول أن تلمس قلب الموظف، ولكنها بقيت مع الأسف محكومة بمبدأ الأرباح أولا، مما يؤدي الى تسريح الكثير من العمال من حين الى آخر.
- انتشرت فكرة جديدة تقضي بأن الهدف من الأعمال والشركات ليس زيادة أرباح للمستثمرين فقط، وإنما رضا جميع أطراف العملية الإنتاجية من مستثمرين وعمال ومجتمع وعملاء وغيرهم.
- نظام السوق المفتوح وأصالة الفرد المطلقة أثبتت فشلها في الدورات الاقتصادية المختلفة فاضطرت الحكومات للتدخل بتريليونات الدولارات عام 2008 مثلا لمعالجة الآثار الوخيمة للسوق المفتوح ونظرته الربحية قصيرة المدى.
لقد نصت النظرية الرأسمالية على أصالة الفرد وأطلقت حريته وسنت القوانين التي تسمح له بتنمية ثروته كنظام السوق المفتوح. لقد ركزت النظرية الرأسمالية على تحفيز الإنتاج وتعظيم الثروة والملكية الفردية، فأنتجت رفاها اقتصاديا لطبقة الأغنياء فبرزت الكثير من الأسماء العائلية الغنية كعوائل روتشيلد ونوبل وروكفلر وبرزت الكثير من الشركات كستاندرد اويل والهند الشرقية وجي اي وحاليا قوقل و أبل و أمازون وغيرهم. وكان من سلبيات الرأسمالية أنها شرخت المجتمع الى طبقية مروعة وذلك على حساب الطبقة العاملة وتسببت في عدة هزات اقتصادية اضطرت فيها الحكومات للتدخل لإنقاذ الأسواق.