أربعة مصطلحات إلتصقت بالبيئة القطيفية تربط بينهم علاقات بيئية متجانسة وأخرى متناقضة في الوقت ذاته،،،
حيث المقلع والمنجف مصدران لأهم مادتان بنائيتان إحداهما مغمورة في البحر وهي المقالع وهي مصدر الحجارة المعروفة بحجارة الفروش والتي يستعملها للبناء أهالي الخليج عامة ويستعملها أهالي القطيف في المناطق الساحلية منها ولها النسبة العليا في الإستعمال، وأما في القرى والمناطق الغربية منها فيستعملون الحجارة الجبلية البرية.
إن هذه الحجارة البحرية يطلق عليها البعض المرجانية وهي تتكون بفعل الطمي والترسبات وتشوبها القواقع والأصداف الصغيرة وهي تحتاج لمدة زمنية طويلة جداً لكي تتكون على الشواطيء على هيئة مرتفعات أو جبال كما كانت في سيهات حيث وجود أكبر الكتل التكوينية لهذه الحجارة والتي كانت تعرف بجبل القصّار البحري، وهذه الحجارة تتشكل على أنواع وأحجام فبعضها الملامس لسطح قاع البحر تكون مسطحة وهي مفيدة لعمل وجنات النقايل (الأعمدة) وتساعد للتغطيات كعمل الجسور وتغطية بعض جداول المياه كما هي في البذراني كما أنها استعملت في سالف الأزمنة القديمة كصخور مكعبة الشكل كبيرة جداً كما هي في العيون والمعابد وقواعد البروج،
وأما بالنسبة لأحجامها فتصنف تحت مسميات القوايس ام الف وألفين وألافين وحشوات قوية وصغيرة وربوع والحقروص (الصغيرة للتعديل) فكل مجموعة مرتفعة من هذه الصخور والحجارة المتكونة في قيعان البحر تعرف بالمقالع حيث تقلع منها الحجارة وكذلك بالتكسير وكانت الحجارة الصغيرة منها تنقل على ظهور الحمير في العربات التي تجرها الحمير والمعروفة بالقواري أو تستمعل مايعرف باللنقات (مفرد لنقة) والتي تسمى أيضاً (المنقل)
التي توضع على جانبي الحمار وهناك مثل يقول: “يشيل من هاللنقة ويحط في هاللنقة” كناية عن عدم وجود أي تغيير،
وفي الآونة الأخيرة استعملت سيارات القلاب لنقلها إلى مواقع البناء كما أنه استخدم أحيانا البوانيش الصغيرة أو الهوري الصغير أو القلص لنقل تلك الحجارة إلى أقرب نقطة إلى الساحل. إن هذه المرتفعات المكونة لتلك الحجارة تحتاج الى سواعد قوية لتكسيرها وتحملها إلى المناقل فهناك شخص حرفي يقوم بتجهيز هذه الحجارة وفصلها وتكسيرها وهذا الشخص يسمى الكسَّار ولايزال هناك مايدل على ذلك أن بعض العوائل تحمل لقب الكسَّار وهي كالصفار والنجار والحداد.
وأما المَنْجَف وهو على وزن مَفْعَل فهو على اليابسة وعادة ماتكون مواقعه متاخمة للبر وهي تشبه المناجم ومن أشهرها المنجف الذي هو حول جبل البَرَاق غرب الجارودية، وهي لفظ من أصل عربي حيث يقال مثلاً نجفت الريح الرمال اي جرفتها ونجف الشيء اي رفعه ويقال علا النجف أي ركب التل ونجف الشيء أي حفره ويقال نجف البئر ونجف الإناء اي براه ونجفت الريح الصخور اي حفرتها.
ومن أشهر المناجف الموجودة هي التي تقع غرب الجارودية وغرب الأوجام
والشخص العامل فيها يسمى النجَّاف وهو الشخص الذي يقوم بقطع واستخراج الطين من المناجف او المقالع وهي مهنة تمارس في وقت الصيف فقط فالأمطار تذيب الطين أولاً وثانياً الرطوبة تسبب انهيارات خطرة على العمال أما في بداية كل صيف نجد أن الطين يتجدد.
هذا الطين المستخرج هو الذي يحرق ليحول إلى الجص وهي المادة الاسمنتية المشهورة بديمومتها الطويلة على مر مئات من السنين.
وهناك من اشتهر بمهنة النجافة في خمسينات وستينات قرن العشرين كإبن حبيل وابن سياب والعريني والورد وعليوي والأحمر. فوجه الشبه هنا بين المناجف والمقالع هو أنهما موقعان يستخرج منهما مادتي البناء الاساسيتين (الحجارة والجص)، أما وجه الخلاف فالمقالع بحرية والمناجف برية.
ولننتقل الآن إلى المجافر واللحوف فوجه الشبه بينهما أنهما مغمورتان بالمياه ووجه الخلاف هو أن المجافر تتكون من الفروش البحرية في قيعانها ضمن تلك الحجارة مكونة كهوف صغيرة تعيش فيها بعض الاسماك الكبيرة وخصوصاً الهامور والفصائل القريبة منه كالسمَّان والسُوَّدْ فهي ملاجيء لتلك الأسماك تحميها وتتكاثر فيها، كما أنها تعتبر مكامن تساعد صيادي هذا النوع من الأسماك على الصيد،وهذه اللفظة أيضاً من أصل عربي.
وأما اللحوف فتغمرها مياه عيون السيح القديمة التي تتكون في جدرانها وتنجم عنها أخطار قد تؤذي الى الغرق، حيث أنها تشكل مصائد تتكون على شكل حُفَر تشبه المجافر وهي تتكون بسبب تحرك بعض المواد الصلبة فتكون كالفقاقيع فعندما يمر عليها السباح ليقف عليها فإن قدمه قد تنزلق إلى داخل ذلك اللحف فيشكل مصيدة تقبض على رجله فلا يستطيع الخروج من الماء فيموت غرقاً مالم ينقذه احد.
ومن أشهر تلك العيون التي تُكَوِّنُ اللحوف هي عين القشورية بالجارودية وعين المحارق بالقديح.
وتحاك حول هذه اللحوف بعض الأساطير على أن العين (تطلب) أي العين متعطشة لأن تختار من تغرقه في مياهها أو انها تشكل أيادي (راعية العين) التي تختار من تغرقه.
كانت تلك معالم لبيئة بدأ اندثارها يظهر تدريجياً منذ سبعينات قرن العشرين الماضي فمناطقها البحرية استصلحت لأراض سكنية لتكون مدن تطل على الشواطئ وأما العيون فقد بدأ نضوبها الفعلي تحديداً منذ عام ١٩٩٦م وكذلك مناجف الطين لم يعد الناس بحاجة له لصنع الجص منه حين حل الإسمنت الحديث ليقوم مقامه كما أن بيئته أيضا استصلحت كمناطق سكنية.
*الأستاذ عبد الرسول الغريافي باحث في التراث ومؤرخ.