العقل الواعي – بقلم د. عبد الجليل عبد الله الخليفه

نعيش في عصر الهاتف المحمول ووسائل التواصل التي تستهلك عدة ساعاتٍ يوميًا من بلايين البشر حول الأرض، حيث يتصفح الفرد الواحد مئات الصفحات عبر قنواتٍ متعددةٍ ويتجوّل عبر خليطٍ غريبٍ من المحتويات في وقتٍ قصير. هل هذا امرٌ طبيعي، وماذا يحدث للعقل نتيجة ذلك، وهل يؤثر ذلك على أفعال الإنسان وحياته الأسرية والاجتماعية؟

{تدفق المعلومات}

في كتابه (The Organized Mind) كتب المؤلف (Daniel Levitin) عن تاريخ تدفق المعلومات. ففي بداية الخليقة، كانت المعارف بسيطةً وكذلك المعلومات التي يختزنها العقل البشري فهي بعض أسماء النباتات والحيوانات والافراد المحدودين الذين عاش معهم الإنسان الأول. بقيت المعلومات نظرا لمحدوديتها في العقول إذ لا سبيل لتخزينها خارج العقل، حتى اكتشفت الحضارة السومرية الكتابة (البعض يرى أن نبي الله أدريس هو أوّل من خطّ بالقلم)، فبدأ تخزين المعارف بالكتابة على الصخور والجلود وغيرها.

ثم أسّس اليونانيون والمصريون المكتبات لتخزين وعرض الكتب المخطوطة. وبقيت الكتب مخطوطةً باليد، حتى تم اختراع الطباعة في القرن الخامس عشر وبعدها انتشرت الكتب بصورةٍ كبيرة، واستمر ذلك حتى جاء عصر الحواسيب الآلية، فانتقل النشر من دور الطباعة الى البيوت، ثم جاء دور الانترنت والشبكة العالمية ليشترك العالم في نشر الكتب والمقالات والبحوث والوصول اليها عبر الشبكة العنكبوتية.

ثم جاءت وسائل التواصل لتنقل الكتابة والنشر الى مستوى رهيبٍ، حيث أصبح بإمكان بلايين من البشر صناعة محتوى ونشره عبر شبكات التواصل وعلى مدار الساعة. هكذا تراكمت المعرفة البشرية حتى بلغت أوجها في السنين الأخيرة، ويقال أن المعرفة المنشورة في العشرين عاما الأخيرة تعادل مجموع المعارف البشرية منذ بدء الخليقة.

وقد نتج عن هذا التضخم الهائل والزخم العظيم للمعارف والمحتويات المنشورة فوضى عارمة وطوفانٌ هائلٌ، وقف البعض أمامه حائرًا، فهل هو مفيدٌ للعقل البشري، أم أنّه مخيف؟ مع العلم، أن اختراع الطباعة أخاف الكثيرين آنذاك، فهل نحن أمام خوفٍ غير مبررٍ في عصرنا هذا؟

{ماهو العقل؟}

العقل في اللغة هو الحبس والربط ومنه عقال الناقة، والعقل ضد الجنون، وهو ما يميز الإنسان عن الحيوان، وهو التثبت في الأمور، وفي الدين العقل ما عُبِد به الرحمن وأكتُسِب به الجنان.

العقل في الثقافة الغربية:
يرى المفكرون الغربيون وغيرهم أنّ العقل آلة الإبداع والتفكير ووسيلة العلوم والمعارف التي نقلت البشرية من حياتها البدائية الى حياتها المدنية الحالية، فصنعت الحضارات وحسنت مستوى المعيشة وعمرت الأرض. فقد أبدع العقل الكثير من الأدوات المساعدة له والتي أعانته على حلّ المشاكل المعقدة ومنها الطرق التجريبية،

والحواسيب الآلية والذكاء الاصطناعي وغيرهم مما سيأتي في مستقبل الأيام. كما وأنتج العقل الكثير من وسائل نشر المعلومات والمعارف، ومنها المدارس والجامعات والمكتبات والكتب والأبحاث والجمعيات العلمية. لكنّ هذا العقل نفسه أخترع أدواتٍ وأسلحةً فتاكة، فليس كلّ ما أنجزه العقل مفيدًا. فمثلا قتلت أسلحة الدمار الشامل ملايين البشر في الحروب العالمية، وعصفت بعض المنتجات المالية عام 2008 بالاقتصاد العالمي. لذلك يتساءل البعض عن وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، هل هي مفيدةٌ ام ستسبب الكثير من المتاعب والخسائر للبشرية مستقبلًا؟ وبعبارةٍ أخرى، كيف يمكن للعقل أن يكون واعيًا فيتجنب هذه المخاطر؟

وظيفة العقل:
الإنسان كائنٌ منطقي هادف يفكر ويسعى الى تحقيق غاياته، لذلك يمرّ فعل الفرد عبر مرحلة تفكيرٍ ثم إرادةٍ ثم تصرف. مرحلة التفكير المنطقي يحدّد فيها الفرد المصلحة او الغاية المنشودة، وبناءً عليها، تتولد في نفسه إرادةٌ لتحقيق هذه الغاية، يتبعها تصرفٌ ينفذ هذه الإرادة على أرض الواقع. مرحلة التفكير تتطلب انتباهًا وتركيزًا ودراسةً للخيارات ومن ثم الوصول الى قناعةٍ بجدوى او عدم جدوى الخيار المعين.

هذه السلسلة قد تستغرق ثواني او دقائق محدودة وقد تستغرق ساعاتٍ او أيامٍ عديدة. هذا التفكير في أمرٍ معين، يستهلك الكثير من الطاقة العقلية في أوّل مرة، ويستغرق وقتًا أقل ويستهلك طاقةً أقل في المرة الثانية وهكذا يتناقص الوقت والجهد تدريجيًا مع تكرار الفعل، حتى يصل الفرد بعد مدةٍ الى قراره وفعله لا شعوريًا، لأنه إنتقل من وضع التفكير المجهد لصناعة القرار الى وضع العادة المريح.

لذلك يختلف المجهود حسب الغاية المنشودة، فمثلا يصنع الإنسان أغلب قراراته التي تتعلق بمشترياته المعتادة كالثياب والطعام بسرعة ودون البحث الطويل والمعاناة الشديدة في البحث عن أقل سعرٍ أو أفضل نوعٍ من الطماطم في سوق كبيرة، لكنّه يجهد نفسه كثيرًا ويقضي أيامًا طويلةً للبحث عن طبيبٍ ماهرٍ يجري له عمليةً جراحية.

ويمكن ملاحظة ما يلي عن العقل البشري:
1. شدّ الانتباه: أهم شيءٍ يجب دراسته هو مدى انتباه العقل لأمرٍ ما، فالانتباه هو مفتاح التشغيل لقوة التركيز الفكرية، فالعقل ليس منتبهًا دائمًا، بل يسرح في تجوالٍ طويلٍ أحيانًا ويغفل عن الكثير من الأمور التي تجري حوله. لكن ماذا يشدّ انتباه العقل؟ يتخذ الإنسان آلاف القرارات لا شعوريًا وبطريقةٍ سهلةٍ روتينية لا يتعب فيها عقله، لأنها أمورٌ أعتاد عليها يوميًا لعدة سنوات فهو يختار طريقًا معينًا الى عمله لسنوات عديدة، ويأكل في مطعمٍ معين رغم أنّ هناك خيارات أخرى وهكذا، هذه القرارات والخيارات لا تشدّ انتباهه، لأنّ لديه فلتر انتباه لا يمرّ منه سوى أمورٍ معينةٍ تشدّ انتباهه مثل:
• تغييرٌ غير متوقع لم يعتد عليه، مثلًا اصلاح طريق عمله، او صوت صرخة من بيت جاره، او وجبة استثنائية في دعوة صديق،
• ذكرُ شيء مهم يطرق سمعه مثل ذكر اسمه او نكتة او حادثة معينة،
• مهمة عملٍ او دراسةٍ ا وانجازٍ معينٍ يسعى الى تحقيقه.

2. طريقة التفكير: لا يركزّ العقل دائمًا، بل لديه حالات مختلفة يتنقل بينها، هي:
• حالة التركيز: عندما يهتم الفرد بإنجاز مهمةٍ معينةٍ تشغل انتباهه 100%، مثل إعداد محاضرة او كتابة تقرير او مشروعٍ يحقق فيه أهدافه،
• حالة الاستراحة: (فترة عدم التركيز) عندما لا يكون الإنسان مشغولًا بمهمة معينة، كأن تجلس الى جانب البحر او تستمع الى قصة ملهمة، عندها يأخذ العقل راحته فيتجول ويسرح حيث يشاء.

3. الذاكرة: أي حدثٍ يتم تسجيله على سلسلة خلايا عصبية في الدماغ، وحين يريد الفرد تذكر نفس الحادثة بعد مدة، فإنه يحاول استرجاع نفس سلسلة الخلايا العصبية، فإذا تمكن، فإنه سيتذكر الحدث بالضبط. أما إذا كان ما يفعله عملًا مكررًا، مثل وضع مفاتيح السيارة في أماكن مختلفةٍ في المنزل يوميًا، فقد لا يستطيع استرداد المعلومة وتذكر المكان بالضبط في كلّ مرة، لأن الأحداث وسلسلة الخلايا تكون متشابهةً جدًا نظرًا لتشابه الظروف. وعلى العكس من ذلك، فالأحداث التي تصاحبها عواطف ومشاعر خوفٍ او سعادةٍ غامرةٍ يتم استردادها بسهولة لأن الدماغ يفرز علامة كيميائية تميز هذا الحدث عن غيره.

{أنواع أفعال الإنسان}

يمكن تقسيم أفعال الإنسان الى ثلاثة أنواع، هي:
• أفعال منطقية: تصدر بعد مرحلة تفكيرٍ مركّزٍ لتحقيق غايةٍ معينةٍ يسعى الفرد الى تحقيقها، ومثالها أفعاله المتعلقة بعمله الذي يكسب منه معيشته،
• أفعال قيمية: تعكس قيم الفرد وميوله وطبيعته، فمثلًا قد يكون طبع البعض الكرم او الشجاعة او الصبر والانتظار بينما يكون طبع البعض الآخر البخل او الجبن او التهور، فالكريم مثلًا يتصرف مع ضيوفه بطريقةٍ مختلفةٍ جدًا عن تصرف البخيل، هذه الأفعال قد يكون هدفها قيميًا بحتًا،
• أفعال ظرفية: تعكس الظرف الذي أحاط بالفرد حين قام بالفعل، هذا الظرف قد يتغلب على طبع الإنسان وقيمه مع الأسف، كالتعجل في ظروفٍ معينةٍ او الغضب الشديد نتيجة ظرفٍ معين، او طبيعة الوظيفة والدور المناط بالإنسان حين أداء فعله، فالمدير قد يتصرف بصورة ٍمختلفةٍ عن تصرفه عندما كان موظفًا، او مراعاة الفرد للظروف الخارجية وتصرفات الآخرين حوله، وهنا بعض الأمثلة العملية التي تمت دراستها:

1. تأثير الظروف المحيطة (Princeton Theological Seminary):
تم تصميم هذه التجربة بطريقةٍ ذكية حتى لا يكتشف الطلاب (أفراد التجربة) أنّ هناك دراسةٌ مقصودة، وبذلك يضمن مصمم التجربة تصرف الطلاب بصورةٍ عفوية. لذلك تم دعوة طلاب هذه المدرسة الدينية لإبداء آرائهم عن التعليم، وطلب من كل فردٍ منهم تقديم كلمةٍ قصيرة، وحين حضور الطلاب الى المكان المعين سابقًا، ذكر مصمم التجربة للطلاب أنه نظرًا لضيق المكان سينتقل الطلاب الى مبنى آخر،،،

فتم توجيه 13 منهم الى غرفةٍ معينةٍ في المبنى المجاور وتم اخبارهم أن المحاضر في انتظارهم وأنّ عليهم السرعة للوصول الى هناك، وتم أيضا توجيه 13 آخرين الى غرفة آخرى في نفس المبنى المجاور، لكن تم اخبارهم أنه يمكنهم التريث وعدم العجلة لأنّ المحاضر سيكون موجودًا بعد بعض الوقت، وفي الطريق الى ذلك المبنى، تم التنسيق مع أحد الأفراد أن يستلقي على الأرض وكأنه مريضٌ يطلب المساعدة. وتمّ مراقبة تصرف أفراد المجموعتين عند مرورهم على هذا الشخص المستلقي، هل سيقوم الأفراد بمساعدته ام لا. وقد تبين فعلًا أن المجموعة الأولى المستعجلة كانت اقلّ ست مرات استجابة لنجدة هذا المريض مقارنةً بالمجموعة الثانية المتأنية التي سارعت الى نجدته. هذا يدل على تغلب الظرف وهو التعجل على طبع هؤلاء الطلاب في المدرسة الدينية والذي كان المتوقع منهم نجدة المريض.

النتيجة المستفادة أنّه يجب عدم الحكم على الأفراد من تصرفٍ او فعلٍ واحد، فقد يكون هذا الإنسان تحت ظرفٍ استثنائي لا يعكس طبعه المعتاد. لذا أنصح أفراد المجتمع والأسرة خاصةً الزوجين أن تتسع صدورهما لبعضهما وأن يقبل أحدهما الآخر ويتجاوز عن هفواته، فلعلّ أحدهما يمرّ في ظرف عملٍ او صحي استثنائي يدفعه للقيام بتصرفٍ غير مقبول عادةً. هذا ليس تبريرًا للتصرفات الخاطئة، لكنّه توضيحٌ لأثر الظروف الكبير على تصرف الأفراد،

2. تأثير الوظيفة او الدور الذي يؤديه الفرد على تصرفاته – (Lee Ross) في جامعة ستانفورد – :
قسّم (Lee Ross) طلابه الى مجموعتين، مجموعة أولى تسأل ومجموعة ثانية تجيب، وطلب من المجموعة الأولى أن تكون الأسئلة عن معلوماتٍ عامة يعرفها الجميع، لكنه ترك لهم حرية اختيار الأسئلة. حين تمت التجربة، تبين أن المجموعة الأولى التي تسأل استفادت من دورها واختارت أسئلةً صعبةً لا تستطيع المجموعة الثانية الإجابة على أغلبها. الملاحظة المهمة هي أن المجموعة الأولى استفادت من دورها لتثبت للجميع أنها أكثر ذكاءً من المجموعة الثانية، فهي ارادت أن تستفيد من دورها ووظيفتها لتثبت للأخرين أنها الأحق بهذه الوظيفة والدور. هذا الدافع لم يكن علنيًا، لكنّه واضحٌ جدًا لكل من راقب التجربة من خارج المجموعة.

النتيجة المستفادة أنّ تصرفات الفرد مع الآخرين قد تتغير كليًا حين يتغير دوره الوظيفي، هذا ما يلاحظه البعض حين يشتكي من سوء معاملة مديره الذي كان سابقًا صديقه المفضل عندما كان زميلًا له وقبل أن يترقى الى وظيفته الإدارية. لذا أنصح الموظف أن يلبس نظارة مديره ونظارة زملائه ونظارة مديره العام ليرى الموقف من عدة زوايا قبل أن يستعجل فيحكم على مديره سلبًا او ايجابًا. هذا ليس مبررًا للمدير أن ينسى قيمه الإنسانية بمجرد توليه منصبه الجديد، فالإدارة الناجحة يجب أن تعيش القيم الفاضلة التي تكسب بها قلوب الموظفين وتزيد انتاجيتهم،

3. تأثير الآخرين على قرارات الفرد وأفعاله:
تم اجراء الكثير من التجارب او ملاحظة بعض الوقائع الفعلية في بعض الدول الغربية، مثل المرور على ضحية جريمةٍ او محاولة سرقة في وضح النهار دون أن يتدخل أحدٌ من المارّة الآخرين لإنقاذ الضحية او مساعدته، والسبب أنّ الشخص المار على الحدث قد يرى عشرات الأشخاص الآخرين يتفرجون دون ان يتدخلوا لمساعدة الضحية، فيقارن نفسه مع الآخرين المتفرجين وليس مع الضحية، فيسأل نفسه ربما يوجد سببٌ لعدم تدخلهم لا يعرفه، لذلك لم يتدخل هؤلاء. هكذا يبدو أنّ كل فردٍ من هؤلاء الأشخاص المتفرجين قد يحدّث نفسه بنفس الطريقة. أما سبب ترك الضحية دون مساعدة فقد يكون أحد أمرين:
• رغبة الشخص المارّ على الحدث أن يتوافق اجتماعيًا مع الآخرين المتفرجين قبله، لأنه حين يختلف عنهم يخاف أن لا يكون مقبول اجتماعيًا،
• ضياع المسؤولية الاجتماعية في ظل تضخم الأنانية الفردية،

النتيجة المستفادة، أن القلة من الأفراد تتصرف خارج فكر القطيع، بينما ما يهم البعض هو أن يكون مقبول اجتماعيًا من قبل الآخرين. فمن لا يملك الثقة بالنفس والقوة الكاريزمية، لا يستطيع أن يقف أمام الآخرين ليقول لهم أنتم على خطأ.

{أضرار التدفق المعلوماتي}

• قضاء عدة ساعات يوميًا يتصفح فيها الفرد ما هبّ ودبّ من صفحات وسائل التواصل، على حساب دراسته او عمله او هواياته المفيدة.
• تشتيت الانتباه وضياع التركيز على الأمور المهمة واغراق العقل بمعلوماتٍ هامشيةٍ غير مفيدة، بينما تترك انطباعًا خاطئًا لدى الفرد بأنّه أصبح مرجعًا في حقلٍ معين نتيجة قراءته لصفحات محدودة في وسائل التواصل،
• نشر معلومات خاطئة، يبقى أثرها السلبي جدًا على تفكير الأفراد ومشاعرهم حتى لو تم تفنيدها فيما بعد،
• نقل الإنسان الى حالاتٍ ظرفيةٍ تجعله يتقمص شخصيةً متضخمةً تفكر أحيانًا بصورةٍ نرجسيةٍ وتتصرف بصورةٍ سيئة، هذه الشخصية النرجسية سببت الكثير من المشاكل الزوجية والنفسية،
• ضخ الكثير من المحتويات الغير هادفة التي تسعى لتحقيق الشهرة والتميز فقط، وتلقى هذه المواد والأفراد الكثير من المتابعة على حساب المادة الهادفة التي لا تلقى متابعةً تذكر. هذا الظرف المحيط بالفرد قد يشجعه على التصرف في منحى غير هادف سعيًا وراء الشهرة،

محاولات الحلول:
ترشيد الاستخدام: ليس من الحكمة أن يحرم الإنسان نفسه من وسائل التواصل والمعلومات المهمة التي يمكن الحصول عليها، لكنّ المهم أن لا تستهلك هذه الوسيلة وقت الفرد على حساب أعماله المهمة الأخرى. لذلك يمكن تحديد ساعةٍ واحدةٍ يوميًا مثلًا لتصفح بعض المواقع العلمية او غيرها بدلًا من قضاء اربع او خمس ساعات يوميًا على وسائل التواصل المختلفة، وبذلك يوفر الإنسان على نفسه ساعاتٍ عديدة للتركيز على تخصصه الدراسي او مشروعه الناجح او هوايته المفضلة.

تبويب المعلومات: يمكن استخدام غرفة الفحص الأولي في عيادات الطوارئ كمثالٍ على تبويب المعلومات حسب أهميتها، إذ يتم في غرفة الفحص الأولي، تعيين الحالات الطارئة جدًا كمريض القلب الذي يحتاج الى الطبيب حالًا، من الحالات الأخرى التي يمكنها الانتظار ساعةً أو أكثر، ومن بعض الحالات التي لا تحتاج الى الطبيب بتاتًا.

لقد فُطِر الإنسان على حب العلم وتبويب المعرفة لا شعوريًا حسب معارفه السابقة. لكنّ محتويات وسائل التواصل والشبكة العنكبوتية من كتب ومقالات ومنشورات قد تكون مفيدةً تهم الفرد وقد تكون معلوماتٍ ملهية تشغله عن أموره المهمة، حيث لا تعنيه من قريبٍ ولا بعيد. الإنسان الناجح هو من يميّز المفيدة عن الملهية. لذلك يوجد لدى بعض رؤساء الشركات كادرٌ متخصصٌ لاختيار المادة المفيدة التي يعتني بها رئيس الشركة، كما أنّ بعض المؤسسات تختصر الكتب المطولة في صفحاتٍ محدودة، كما يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يقوم بهذه المهمة حاليًا ومستقبلًا مع الحذر عن أن يكون دوره انحيازيًا لمحتوى دون آخر.

التخزين خارج العقل: بدءًا من المكتبات والرفوف في المكاتب والحواسيب وحتى الهواتف المحمولة، أصبح بالإمكان تخزين أرقام الهواتف بدلًا من حفظها، والمعلومات المهمة مثل الكلمات السرية، ومواعيد الاجتماعات وبعض التقارير والأفكار اليومية التي تم تدوينها بسرعة.

الاستفادة من العقل الجماعي: يمكن شدّ انتباه الجماعات او تفكيرهم الجماعي او ذاكرتهم الجماعية لتحقيق مهماتٍ مستعجلة وكبيرة تستدعي طاقاتٍ كبيرة وومنتشرة على مساحةٍ واسعة. وكأمثلةٍ على ذلك:
• موسوعة ويكيبيديا كتبها مئات المحررين في تخصصاتهم المختلفة،
• خرائط قوقل التي تبين الطرق المزدحمة يتم فيها الاستفادة من آلاف الهواتف المحمولة لدى السائقين في الطرقات المختلفة.

{العقل الواعي في ثقافتنا}

العقل الواعي عنوانٌ شاملٌ لكل ما يحقق الخير للإنسان، فالعقل الواعي يشمل الإيمان والعلم وجميع الأخلاق والقيم الفاضلة. بينما الجهل عنوانٌ شاملٌ لكل أسباب الشر ومنها الجهل والأنانية وكلّ ما يضرّ الفرد والمجتمع. هذا العنوان الشامل للعقل الواعي يضمن أن لا تكون القوة المفكرة والعلم أداةً تخترع أسباب الدمار والضرر على الآخرين، بل يجعل القوة المفكرة والعلم أداةً تتكامل مع القيم الفاضلة لخدمة البشرية وتطورها.

العقل الواعي يضمن أن لا تنحرف الاختراعات والمنتجات التقنية عن أهدافها السامية، وأن لا تنحرف وسائل التواصل الاجتماعي فتصنع محتوى هابط يضيع الوقت ويشتت الانتباه، بل تصنع وتنشر محتوى ينمي الفضيلة والأخوة والتعاون بين البشر.

العقل الواعي لا يقتصر على القوة المفكرة بل يحرسها بعين الخير والفضيلة. إنّه سلّمٌ ذو درجاتٍ عديدةٍ يصعد فيها الإنسان واحدةً بعد أخرى، فيتكامل تدريجيًا ليقترب أكثر فأكثر من الشخصية الإنسانية الكاملة التي تعكس منتهى صور الجمال والجلال الممكن في عالم البشرية.

لقد أقترب شهر رمضان المبارك من الرحيل، وقد كان فرصةً ذهبيةً للترقي في درجات العقل والقرب والسمو والفضيلة، أعاده الله علينا جميعًا بالخير والبركة، والحمد لله ربّ العالمين.

د. عبدالجليل الخليفه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *