مرحلة خياطة المدرسة من سن المراهقة حتى سن الزواج – بقلم عبد الرسول الغريافي*

منذ نهاية خمسينات قرن العشرين الماضي وبداية ستيناته حدثت عند المرأة القطيفية نقلة اعتبرتها تطورية في عالم الزي القطيفي لكونه قد أحدث بعض التغيرات. فالمرأة القطيفية كثيرة الإنشغال بالخياطة اليدوية والحياكة والتطريز وحتى أثناء زياراتها للأهل والصديقات فهن لا يجلسن دون أن يشغلن أيديهن بسف الخوص -مثلاً- أو شغل خياطة سراويل (لخياطة) او المحجّل بما فيها النغدة وعمل القيطان وكذلك القحافي بنوعيها النسائية والخاصة بالأطفال فالمرأة القطيفية كانت تصنع ملابسها بيدها وتشغلها بالأشغال اليدوية الزخرفية وذلك على قماش السامتي.


كان اشهر ما تلبسه القحفية وماتتدلى منها على الجبهة من (دنادين الذهب) أو براعم الورد أو الرازقي (الياسمين) ثم تلفها بالملفع الأسود التوري الشفاف ويليه النفنوف أو الدراعة في بعض أنحاء القطيف ومن فوقه الثوب الهاشمي (يشبه النشل الواسع) ثم بعد ذلك سروال الخياطة المميز وعند الخروج من المنزل تلبس في رجليها البابوج الأسود وهو حذاء على شكل نصف (جوتي او جزمة).


منذ أربعينات قرن العشرين تقريباً دخل السروال المقلم الطولي الفضفاض بشكل رسمي بلونيه الأحمر والأزرق، والمقلم هنا تعني فماش به خط أحمر طولي وآخر ابيض أو خط أزرق طولي وآخر أبيض ولعل هذا التغيير المفاجئ جاء تأثراً ببعض المناطق المجاورة.


الأمر هنا ليس مجرد تركيز على تغيير في قطعة واحدة من الملابس لولا انها كانت تمثل مدخلاً إلى عالم التغيير في الزي القطيفي بل وقد قادت الفتاة القطيفية إلى الدخول في عالم مختلف عما كانت عليه حيث التزمت بتصميم نمط معين وهذا الإلتزام يشبه التجنيد الإجباري إذ كان على كل فتاة أن تسلك مسلك صديقاتها وزميلاتها من الفتيات، ففي هذه الفترة الزمنية حيث كان التعليم بالنسبة للبنات قليلاً وبعضه مقتصراً على تعليم المعلم أي تعليم القرآن عندها انتشرت ظاهرة بدء اعداد الفتاة لجهازها أو لعشها الزوجي المستقبلي وهو بكل بساطة عبارة عن غرفة واحدة تشكل العش الزوجي تحتاج لبردة الباب وأغطية دواشق (مرتبات) تفرش على جوانب الغرفة وأكياس المخدات وبردة المسبح وبردة السرير أو (البلنق) في مابعد.


منذ نهاية الخمسينات كانت هذه الإعدادات من مهمة العروس، فبعد دخول سني المراهقة كان عليها أولا أن تتعلم خياطة المدرسة وإلا سيكلفها الأمر كثيراً ومن جملة ذلك أنها ستنال لقب (الخايبه.. المقطنه) وبالتالي فإنها ستعتمد على غيرها في تلك الإعدادات. هناك مصممات للرسم على الورق لما سينفد خياطته على قماش البريسم الأبيض.


تظل الفتاة تشغل نفسها لفترة من الزمن قد تصل إلى سنين وهي الخياطة. الخياطة الحديثة هذه المرة تسمى خياطة مدرسة وهي ليست كخياطة الأمهات والجدات المعروفة بخياطة المحجل (بالنسبة للسراويل).
أتوقع ان إسم مدرسة له علاقة بالتطريز على وزن مطرزه ولكن لست متأكداً من أين جاء مصطلح (خياطة مدرسة).

عندما تدخل أي فتاة في مشروعها هذا فإنها تحتاج الى المصممة التي (ترسم الرسمات) على ورق حسب توصيات صاحبة المشروع وهذه الرسمات تحتوي على غضون وشجيرات وورود وحيوانات وبعض الأشكال الهندسية ثم بعد ذلك تقوم الفتاة بشف هذه الرسومات بواسطة (الكاربون الأزرق) على القماش البريسم فعليها أن تشف وترسم فوق جميع قطع قماش البريسم الأبيض الذي يجب عليها توفيرها.

ثم بعدها تبدأ المشوار لتحول الرسومات في كل قطعة قماش إلى خياط مدرسة فهناك خيوط خاصة زاهية الألوان وأكثر سماكة من الخيوط الإعتيادي فتثبت الفتاة جزء من القماش على مايعرف بالطارة وهي حلقتين دائريتين من الخشب يحشر القماش بينهما ليشد القماش فتبدأ الفتاة تغطي الرسومات بألوان مختلفة من الخيوط بواسطة الإبرة وهي خيوط سميكة نوعا ما تسمى ربطاتها السيجة فتبدأ بخياطة جميع تلك القطع السابقة الذكر حتى تكتملة فهذه القطع لا تقل عن خمسة عشر قطعة فبردة للباب واخرى للمسبح (مكان للغسل) وقطعتين للسرير البلنق وثلاث قطع أكياس للدواشق (المرتبات) وربما ست أو تسع قطع للمخذات.


في هذه الفترة قد تغيرت السراويل فصرن الفتيات يرتدين سراويل بيضاء من البريسم من نفس النوع أي انها تحتوي على خياطة مدرسة وفي أطرافها زخارف تعرف بالأويه وقد جاء هذا السروال امتداداً لتلك البردات وربما اعتبرت تمرداً على جيل السراويل القديمة ولكنها كانت مقدمة لتتبع مايعرف بالموضة ففي نهاية الستينتات بدأن النساء يستبدلن تلك السراويل الواسعة بسراويل تسمى مطاط ضيفة ولها من الأسفل عند القدم أحيان حزام يلتف حول باطن القدم أي أنهن بدأن يتابعن الموضة الحديثة حتى بدأت تتلاشى السراويل المدرسة البيضاء البريسم والتي بلا شك انها قد قضت على السراويل المقلمة ،،،

والعجيب في الأمر أيضاً أن كبيرات السن ممن يرتدين سراويل الخياطة المحجلة القديمة لازلن مصرات على ارتداء سراويل الخياطة المحجلة القديمة في الوقت الذي اندثر فيه استعمالات كل من المقلم والمدرسة أيضاً وذلك بسبب تتبع الفتاة القطيفية لما فرضته عليهم صرخات الموضات كسائر النساء في أنحاء المملكة والخليج فقد دخل بنطلون المطاط في نهاية الستينات وبعدها في بداية السبعينات دخل مايعرف بالشارلستون والنيفي وكذلك بدأت الفتاة في الأستغناء عن السراويل أحيانا عندما دخلت موضة الماكسي وهو فستان ضيق وطويل يغطيها حتى بعد القدم.


قد يبدو الأمر غريب عند الإسهاب في موضوع اتحدث فيه عن السراويل ولكن ليس الأمر كذلك فالأمر مرتبط بعدة أشياء كارتباط العجلات المسننة ببعضها فهي مسألة تبدد موروث شعبي تأثر ببعضه في الإندثار! فمن ناحية أن سروال المدرسة الأبيض المتعلق بتجهيزات غرفة العروس لأنه من نفس القماش وخياطته من نفس النوعية والذي قد ضربته الموضة الحديثة فباندثاره نلاحظ أنه قد أثر على البردة وأغطية الدواشق (المراتب) ،،،

ومن ناحية أخرى أن البلنق وهو السرير الحديدي الذي حل محل السرير القديم والسجم قد بدأ يؤثر في بردة المدرسة وقد جاء ما يقضي عليه مؤخراً في نهاية الستينات وهو ما يعرف بالفرشة الأمريكية وهي أثاث خشبي متكامل للغرفة يشمل ما لا يقل عن ثلاث أو أربع قطع وهي السرير والتسريحة والدولاب (الكبت) وطاولة وكرسي، فهذه القطع الأثاثية لايلزمها اعداد للبردة ولا لأغطية الدواشق ولا المخدات. كما أن هناك أشياء تعرف بالسناحات وهي قطع قماشية زاهية الألوان تُغَطَي بها أنحاء الغرفة ويصف فوقها مرايات تغطي مساحات من جدار الغرفة أيضاً قد اصبحت غير منسجمة مع نظام (الفرشة الأمريكية). وبهذا اندثر ارثٌ جميلٌ لم يبق منه إلا ما احتفظت به بعض النساء على سبيل الذكرى.

*الأستاذ عبد الرسول الغريافي باحث في التراث ومؤرخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *