*من هم الدغَّاية وما حكاية كلاب السِّيف وماحمير السِّيف – بقلم عبد الرسول الغريافي*

السِّيف -بكسر السين وتشديدها- كما هو معروف في لهجات الخليج أنه الشاطئ المطل على البحر وخصوصا الرملي وهو من أصل عربي فقد عَرَّفته كثير من المعاجم العربية كلسان العرب في قوله:
“والسَّيفُ ساحل البحر والجمع أَسياف وحكى الفارسي أَسافَ القومُ أَتوا السِّيفَ ، ابن الأَعرابي الموضع النَّقِيُّ من الماء ومنه قيل درهم مُسَيَّفٌ إذا كانت له جوانبُ نَقِيَّة”.

ثلاثة ألفاظ يبدو وكأنها غير لائقة اجتماعياً ولكن عندما نتحقق في المقصود بها سندرك أن للبحارة وصيادي الأسماك مصطلحات وتعابير خاصة بهم وإن هناك مصطلحات مشتركة بين بحارة أهالي الخليج وأخرى تخص منطقة أو مناطق معينة منها.
نتناول تعريف ثلاثة مصطلحات بحرية وخلفها ثلاث حكايات قطيفية:


فالدغاية ضيغة مبالغة للجمع على وزن فعّالة ومفردها دغاي وهم مجموعة من الصيادين يستخدمون حبل طويل وسميك يعرف بالحومال عند البحارة وعند الفلاحين يعرف بالبيطة أو الدلدال. تقوم مجموعة من البحارة بمسك أحد طرفي الحبال وهم على السيف وأما الفرقة الثانية فيربطون الحبل بطرف قارب خشبي صغير إما من طراز القلص أو هوري صغير أو بانوش صغير أو عبرة فينطلقون من السيف داخل البحر وبعد مسافة وحسب طول الحبل تبدأ رحلة الرجوع من عرض البحر بنفس القارب إلى جهة أخرى وهو يجر الحبل بحيث يُكَوِّن خط الرجعة نصف دائرة واسعة النطاق بهذا الحبل وعند وصولهم للشاطئ بالطرف الثاني من الحبل تبدأ عملية جر الحبل إلى الشاطئ فتشعر الأسماك بخطر محدق بها من جهة البحر فيتجهون مسرعين نحو الشاطئ (السِّيف) ليرتموا في أحضان اليابسة.

أحياناً تكون هناك فرقة ثالثة يستعملون الشباك المعروف بالغزل في نطاق نصف دائرة الحبل ويقومون بخوض الطين في الماء ليتعكر فيرمون بعدها الغزل فتتجه الأسماك نحوه بسبب تعكير الماء. هذه المجموعة من الصيّادين تعرف بالدفَّارة لأنها تدفر الأسماك نحو الغزل أو نحو الشاطئ، ودَفْر الشئ هو دفعه وأثناء قيامهم بهذه العملية كانوا يرددون صرخة فلكلورية معينة هي: هولو ياهولو..اهولو ياهولوا.. ليشجعوا انفسهم على العمل وأيضا هي صرخة تعبر عن فرحتهم.

هناك من الدغاية نوعان: دغاية عامة يصيدون جميع أنواع الأسماك وهناك دغاية متخصصون فقط في صيد اسماك الميد وهولاء يطلق عليهم مسمى (الميَّادة) ومفردها المياد وهناك ألقاب لعوائل بهذا الإسم.

ولكن من هم چلاب السيف؟ ومن كان يطلق ذلك اللقب عليهم؟
من هنا تبدأ حكاية جدلية تتبادل من خلالها التهم بلصق الألقاب، فيقال أن الدغاية حين يخرجون من البحر ونشوة نصر الصيد تعلو وجوههم وقد استقبلهم من يستعدون لشراء ما غنموه من الصيد وهم السمّاكون فيقال أن الدغاية استعاروا هذا اللقب (چلاب السِّيف) ليلصقوه بهؤلاء السماكين لكونهم يتلقون أسماك الصيادين فأعطوهم ذلك اللقب ولذلك نجد حول سوق السمك مجموعة من الرجال والنساء يعرضون بضاعة سمكية طازجة وأنسب في السعر فيتهافت عليها الزبائن وكان الناس يقولون نشتري السمك من چلاب السيف.


أما الوجه الآخر من الإتهام فهو العكس تماماً حيث كان هؤلاء المتلقون لشراء الأسماك يطلقون هذا اللقب على صيّادي السمك لشجاعتم في الصيد.
فلا تماريهم ولا تجادلهم فيما يقولون فلعل كل مجموعة ترمي هذا اللقب على المجموعة الأخرى.
أما مناطق استخدام هذه الطريقة للصيد فهي في عدة أماكن كعنك وفي مكان شارع الرياض اليوم عند مجمع الزهراء وفي المنطقة الشمالية من تاروت وفي سنابس وعند قبالة الرامس وفي مكان الصناعية اليوم وفي ومناطق أخرى.

أما بالنسبة لمناطق سكن الدغاية وچلاب السِّيف فأشهرهم أهالي باب الشمال وكذلك أهالي عنك وتاروت.

تعال ننتقل إلى حكاية أخرى وهي حكاية حمير السِّيف والتي من المؤكد أن هذه المرة لايمكن أن تطلق على الآدميين إذ ليس هناك أي مبرر لتشبيههم بمثل هذا الحيوان بينما الكلب يكون وجه التشبيه فيه البسالة والوفاء.

فحمير السِّيف هم حمير يمتازون بقوة البنية ومُدربون على الخوض في مياه البحر في حالة الجزر. وقد أُعِدوا على شكل مجموعات خصيصاً لنقل البضائع من جمرك فرضة القطيف إلى السوق وكانت بمثابة شركات للنقل إذ أن بعض الأشخاص أو العوائل يمتلكون (اسطول) كبير من هذا النوع من الحمير. بعضها (يشد) عليه القواري (العربات) لينقل الركاب من وإلى جزيرة تاروت ودارين وخصوصا السائحين الأجانب وذلك قبل انشاء الجسر بين القطيف وتاروت عام ١٩٦٠م.


وجدير بالذكر أن هناك أساطيل أخرى للحمير يُعرَفون بحمير البرج وأصحابهم يعرفون بحمَّارة البرج (بتشديد الميم) وهي اساطيل خاصة بسوق الجبلة وهم خاصين لنقل السلوق والتمور وغيرها من البضائع.

*الأستاذ عبد الرسول الغريافي باحث في التراث ومؤرخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *