فقط مقاهي ومضائف ولا مطاعم ولا نُزُل للغرباء – بقلم عبد الرسول الغريافي*

المقاهي في القطيف عرفت منذ زمن بعيد وقد نشطت في القرن العشرين وكان لكل مقهى رواده حسب موقعه وطبيعته وطبيعة أصحابه لذا نلاحظ أن رواد بعض المقاهي هم شريحة من الشباب فقط وللشباب احتياجاتهم الخاصة بهم وبعضها في وسط الأسواق فهي تستقطب شريحة من التجّار لتشكل ملتقى لهم فيه تعقد الصفقات وأحيانا يردها المثقفون بل وحتى رجال الدين.

في البداية كان كل مايقدم هو القهوة ولذلك سمي المكان (قهوة) فيقال هذه قهوة فلان وفي الصباح كان يقدم في بعض المقاهي حليب البقر ثم بعد ذلك تم تدشين الشاي معه وكذلك الشاي مع الحليب.


وهناك من يقوم بخدمة تقديم القهوة في الأسواق بطريقة المرور على الدكاكين والمحلات وصب القهوة إلى أصحاب الدكاكين ومن فيها من الزبائن ومن يجلس مع البائع مقابل مبالغ معينة يدفعها اصحاب الدكاكين في نهاية كل اسبوع عادة.

ولصبابي القهوة زي معين متميز يرتدونه وهو لبس الإزار (لوزار) فوق الثوب فيشده لتيثبته عند خصره بحزام عريض فيه عدة جيوب لها أغطية تغلق بها حيث يحفظ “صباب القهوة” فيها ما يجمعه من المال، ويعرق هذا الحزام بالكمر أو الهميان. ويحمل دلة كبيرة يُثَبت في أسفلها عند القاع وعاء معدني اسطواني يوضع فيه جمر متقد بحيث يحافظ على حرارة القهوة طوال الوقت، كما ويحمل في يده مجموعة فناجين لصب القهوة فيها.


ومن جملة من كان يقوم بخدمة صب القهوة التي استمرت حتى نهاية ثمانينات قرن العشرين هم: مهدي الغراب والضو والصددي وغيرهم. لقد استمرت هذه العادة حتى منتصف الثمانينات تم اندثرت بعد اندثار الأسواق القديمة ووفاة صبابي القهوة دون أن يرثهم أحد في المهنة كما ورثوها أبا عن جد.


الغريب أن المطاعم تكاد تكون معدومة في القطيف حتى الستينات من قرن العشرين، فليس هناك مطاعم رسمية لدرجة أنه بعد أن دخلت فكرة المطاعم كانت تدعى (قهاوي) وقد ظهرت في الستينات مقاهي فيها خدمة التلفزيونات التي تعمل على المولدات الكهربائية (المواطير) ويقدم فيها الشاي والكوكاكولا والبيبسي ولعب الدومنو والكيرم.


المقاهي التي تقدم الوجبات كانت وجبة واحدة والأكلة أيضاً واحدة هي (الباچا او الكراعين) وكانت تقدم في الصباح كوجبة افطار وكانت أغلبها تقدم (سفري) إذ كان الأغلبية يجلبون معهم أوانيهم ثم بعدها أضيف إليها الشاي والحليب ثم تقديم البيض كوجبة إفطار اخرى.


كان من النادر ان يكون هناك مطاعم تقدم وجبات ومع ذلك حتى بعد ظهور تلك المطاعم فيما بعد كان يستعاب من كان يتردد عليها وكانت تعامل على أنها مقاهي لدرجة أنه فيما بعد حين ظهرت بعض المطاعم كان يطلق عليها مسمى (قهوة) فكان يقال: “فلان ياكل في القهوة”.


نعم كانت هناك مقاهي خارج المنطقة لمن أراد السفر كقهوة قريش المشهورة والتي تقع في منطقة لصبيغاوي الواقعة على الطريق المؤدي الى الكويت والعراق وغيرها وتقع شرق عين لصبيغاوي والتي يستحم فيها الزوار ويتناولون فيها وجباتهم، وتقع هذه القهوة على بعد ٦٠ كيلومتراً تقريبا وكان يقدم فيها الوجبات الثلاث. جدير بالذكر أنه كانت من العادات المتبعة توصيل المسافرين فحين تخرج حافلة او حافلتي ركاب للسفر فإنه تخرج معهم حافلة أخرى من الأهل والأصدقاء وذلك (لتوصلهم) الى قهوة قريش حيث يتم توديعهم هناك ثم يرجعون بعد ذلك ولعلهم يتناولون معهم بعض الوجبات هناك قبل التوديع والرجوع.


عندما يفد غريب على المنطقة فليس هناك مطاعم يأكل فيها ولا فندق يسكن فيه فكان يحل ضيفاً على أهالي المنطقة.
بالنسبة للحجاج والمسافرين للعراق الذين يفدون إلى القطيف فإنه تتم استضافتهم في المنازل والمساجد والحسينيات وإن كانوا من الحجاج فإنهم يكونوا تحت رعاية “الحمله دار” أي المتعهد صاحب حملات السفر
نعم كانت هناك مضايف خاصة على مدار العام كانت تقدم الوجبات اليومية لمن وفد البلاد وأيضا يتردد عليها الفقراء وكذلك من يُدعون الى إحدى الوجبات وكان من أشهرها مضيف عائلة الحداد الكائن بالشريعة حيث كانت تقدم هذه الوجبات يوميا وبلا مقابل.

يقال أن اكبر مكان يستضاف فيه الغرباء هو فريق الوارش بالقلعة (وهو أحد افرقتها الأربعة) إذ كانت بيوته في يوم ما مخصصة للنزلاء الغرباء رغم أن هناك فريق آخر في القلعة نفسها يسمى خان والخان معناه نُزُل أو فندق ومع ذلك فهو لم يخصص من أجل الوافدين الغرباء وإنما سمي بذلك لأنه أول فريق سكني بالقلعة عندما كانت منطقة عسكرية.

حين نتكلم عن المطاعم في بدايتها والتي يكون عليها الأقبال ضعيف وقد كان أول من ادخلها في المنطقة هم اليمانية ثم بعد ذلك كان من أوائل من فتح مطعما هو ادريس القصاب رحمه الله وكان في عام ١٣٨٦ هج تقريباً ولايزال قائما يقدم نفس الوجبات حتى أيامنا هذه وكانت في البداية مقتصرة على الافطار الصباحية فقط ثم بعد ذلك قدم الوجبات الثلاث ولايزال حتى أيامنا هذه يقدم نفس الوحبات مع اضاف وجبات أخرى.

أما بالنسبة لسكن الغرباء فلا زال لا مكان عندنا لهم فهو إما ان يبات في منازل من يعرفهم أو يتوجه إلى مناطق أخرى مجاورة من أجل السكن.

*الأستاذ عبد الرسول الغريافي باحث في التراث ومؤرخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *