في مربع قد قرب موقعه من أول جمرك بحري في الشرقية (جمرك فرضة القطيف) تمركزت فيه مجموعة من الأسواق المعتمدة لمنطقة لها استراتيجيتها في الحركة التجارية على مستوى نطاق اسواق مناطق الخليج في استيراد وتصدير شتى البضائع وكانت في زمن ما تحمل تلك البضائع على ظهور الحمير التي عُرفت بحمير السيف الشهيرة والتي كان لها مواقف خاصة إلى الغرب من ذلك الجمرك ثم بعد ذلك استخدمت العربات التي تجرها تلك الحمير إضافة إلى استعمالات مايعرف (بقاري أبو سطحة) وهي عربة مسطحة يجرها الإنسان.
شحنات مستوردة وأخرى مصدرة وحركة ذائية بين الجمرك والأسواق ماجعل المسؤولين يهتدون إلى فكرة شق قناة تمتد من البحر إلى قلب السوق وذلك في العقد الثاني من قرن العشرين وذلك من نقطة تقاطع شارع بدر مع شارع الجزيرة تتجه من البحر شرقاً مارة بأسواق السمك القديمة إلى أن تصل إلى الجبلة وتنتهي عند ملتقى السكتين (السكة الكبيرة وسكة الحرية) للسماح بمرور قوارب (قلوص وعبرات وبوانيش) صغيرة في تلك القناة حيث تفرغ في تلك القوارب الصغيرة البضائع من السفن الكبيرة لتسهل عملية النقل وتوصل إلى قلب السوق ولكن حالت الظروف دون تنفيذها.
مربع الأسواق هذا امتد من الحدود الجنوبية للقلعة من الشمال إلى حدود الكويكب الشمالية من الجنوب، ومن الشريعة شرقاً حتى مياس والدبيبية والمدارس غرباً.
هذا المربع احتوى على عدة اسواق بعضها مكانية ثابتة وبعضها زمنية موسمية وبعضها متخصصة وبعضها عامة. فلنبدأ تناول توضيحها بالحديث عن سوق الشمال والتي تمركزت في المساحة المحصورة بين القلعة والشريعة شمالا وجنوباً والجراري والمدارس شرقا وغرباً. هذه السوق تشمل صف من الدكاكين عددها عشرة قامت البلدية ببنائها وهي تمتد من الزاوية الجنوبية الغربية من القلعة باتجاه الشريعة جنوبا وحولها شرقاً اسواق للخضرة تفتح عصراً وبجانبها سوق موسمية لبيع الجراد في موسمه ويقابلها في الشمال الغربي مجموعة محلات (دكاكين) في مبنى تراثي قديم للبلدية ثم السجن (قد سبق التحدث عنه وعن قصة نقل بعض اعمدته إلى إحدى الحدائق وخلف هذا المبنى غربا تقع سوق القت (البرسيم) الكبيرة. ومن جهة الجنوب في ظهر حي الشريعة الشمالي نجد صفاً من المحلات تشكل سوق القفافيص ملاصقة لنهاية الشريعة من الشمال فتمتد من الشرق إلى الغرب لتقطعها السكة ثم يستمر امتدادها نحو الغرب الى المدارس.
فلنخرج من سوق الشمال عبر قصبة تشكل صَفَين متقابلين من الدكاكين هي سوق السكة (الصكة) الكبيرة أو كما تعرف أيضاً بسكة التجار مكانها هو وسط شارع الملك عبد العزيز في المسافة المحصورة بين القلعة والكويكب ويحدها شرقاً الشريعة وسوق الجبلة وغرباً المدارس واسواق السبخة ومياس وتعتبر العصب التجاري بين الأسواق وتحتوي على أكثر من مئة وخمسين محلاً.
وإلى الغرب من الصكة تقع اسواق الصبخة (السبخة) أو لصبيخة وسبق الحديث عنها بتوسع فقد ضمت اسواق الخضار والفواكه واللحم والأسماك والعومه والدجاج البلدي والطيور . وهي من الجريد والبرستجات وتمتد إلى شارع الامام علي عند البريد حالياً ومن الشمال الى الجنوب من المدارس الى مياس.
وأما سوق الخميس فقد سبق الإشارة إليها وهي سوق موسمية مقتصرة على أيام الخميس وتمتد من اسواق الصبحة شمالاً بمحاذاة مياس إلى صكة الحرية وحدود الدبيبية جنوباً وفي زاويتها الجنوبية الغربية هناك أسواق المواشي وهي حاليا اسواق عامر بن ليل.
وبين الزاوية الجنوبية الغربية للسكة والزاوية الجنوبية الشرقية لمياس هناك سوق تابعة لأسواق مياس اغلبها للملابس بجانب أسواق مياس التي تعقد فيها سوق الخميس.
اما سوق صكة الحرية فهي الممتدة بمحاذاة مياس من الشمال وبمحاذاة الكويكب من الجنوب لتلتقي نهايتها الشرقية بنهاية الصكة الكبيرة الجنوبية ليشكل هذا الإلتقاء حرف (L) وهي تضم الكثير من الحرفيين كالنجارين والصفافير وبعض الحدادين والكماجين والمقاهي وبيع الخيش وغيرها، وفي زاويتها الجوبية الغربية تقع بينها وبين مدرسة زين العابدين سوق القت (البرسيم) الصغيرة.
وتشكل سوق الجبلة مركز تجاري يكمل اسواق السكة وتقع في الزاوية الجنوبية الشرقية من السكة وتربط بينها وبين الصكة قصبة تشغلها الدكاكين ومقاهي آل غراب وهي على شكل (U) واجهتها ومدخلها الرئيسي مقابل للجنوب حيث تقابل مبنى المنصورية بحي الكويكب. واجهتها الغربية هي سوق دهن الغنم ثم تمتد لزقاق يشكل سوق الاسكافية والجلود وبها مقهى، أما واجهتها الشرقية فتمثل اسواق قلال التمر وكناديد الدبس وعند المنحنى الشمالي هناك يباع الإسمنت وبها بعض تجّار الجملة والمفرد وفي زاويتها الشمالية الغربية هناك قصبة بها مقاهي آل غراب وبعض المحلات وهذه القصبة تمتد لتربط بين الجبلة والسكة، أما في زاويتها الشرقية فيمتد الفرع الاساسي شرقاً ليوصلها بسوق الفواكه والخضار واللحم والسمك الحديثة آنذاك، اما الفرع الثاني والمتجه شمالا ففيه سوق الأخشاب وكذلك سوق ذهب الشريعة.
وهناك سوق تشغل الزاوية الشمالية الغربية لحي الشريعة متصلة بالسكة بقصبة بها دكاكين من الجهتين وهذه السوق تعرف بعمارة الدهن وهي ساحة تعقد فيها سوق دهن البقر وخصوصاً يوم الخميس وفيها يباع دهن (سمن) البقر البلدي وبها تباع البذور.
جميع هذه الأسواق آلت إلى الاندثار بعد إزالتها للتوسع وكانت تلك الإزالات في مراحل زمنية مختلفة فأسواق الصبخة تم اخلاء بعض اسواقها من بعد منتصف خمسينات القرن العشرين لتتوزع في مناطقها الحديثة كسوق السمك والعومة، أما سوق الخضار والفواكه واللحوم فقد انتقلت في بداية الستينات الى مقراتها الحالية.
أما سكة الحرية فقد ازيلت في نهاية خمسينات قرن العشرين، وأما السكة الكبيرة فقد ازيلت في عام ١٩٦٠ ليفتتح فيها شارع الملك عبد العزيز أما الجبلة فقد قاومت حتى منتصف ثمانينات القرن العشرين وعن آخر ما تبقت فهي سوق عمارة الدهن التي ازيلت واجهتها الغربية هذا العام (٢٠٢٤م) من أجل التوسعة الحديثة علماً بأنه قد توقف نشاطها قبل إزالتها ببضع سنين.
*الأستاذ عبد الرسول الغريافي باحث في التراث ومؤرخ.