ما بعد التقاعد.. بداية جديدة أم فرصة مهدرة؟ – بقلم المهندس محمد ابوفور*

{ مقدمة }
في قلب النهضة الصناعية والطبية والتعليمية التي شهدتها المملكة العربية السعودية، برزت نخب من المهندسين والاستشاريين والخبراء الذين ساهموا في بناء صروح الشركات البترولية الكبرى، وتطوير البنية التحتية، والنهوض بالصناعات التحويلية. كما نجد نخبة أكاديمية مرموقة خرّجت أجيالًا من الكفاءات الوطنية، وأطباء تفانوا في خدمة القطاع الصحي ورفعوا مستوى الرعاية الطبية.

هذه العقول المتميزة، التي قضت عقودًا في تطوير القطاعات الحيوية، لم تقتصر إنجازاتها على حدود المملكة، بل تجاوزتها إلى الساحة العالمية. فقد حصل العديد من هؤلاء الخبراء على شهادات احترافية رفيعة من جهات دولية مرموقة، وكرّموا في محافل علمية ومؤتمرات دولية تقديرًا لإسهاماتهم المتميزة في مجالاتهم. لقد أصبحوا سفراء للمعرفة والتميز السعودي، وأسهموا في رفع اسم المملكة في مختلف التخصصات، سواء عبر الابتكارات التقنية، أو الأبحاث الأكاديمية، أو تطوير المعايير الهندسية والطبية على المستوى العالمي.

واليوم، وهم يصلون إلى مرحلة التقاعد، لا يعني ذلك انتهاء عطائهم، بل على العكس، نحن أمام فرصة ذهبية للاستفادة من هذا الكنز الثمين من الخبرات، عبر نقل المعرفة، والإشراف على الأجيال الجديدة، والمشاركة في الاستشارات والمبادرات الوطنية والدولية. إن رأس المال البشري المتمثل في هذه النخب يشكل ركيزة أساسية لدعم استدامة التقدم وتعزيز مكانة المملكة كدولة رائدة في مختلف المجالات.

تجربة وزارة الصحة
ضمن جهودها لتعزيز الاستفادة من الكفاءات الوطنية، وضعت وزارة الصحة برامج نوعية للاستفادة من الأطباء الاستشاريين المتقاعدين، سواء من داخل الوزارة أو من خارجها. شملت هذه البرامج تقديم الاستشارات الطبية، والمشاركة في تدريب الأطباء المقيمين، والإشراف على العيادات التخصصية، مما أسهم في تحسين جودة الرعاية الصحية واستمرارية تطوير المهارات الطبية.

وفي خطوة موازية، بادرت المستشفيات المتخصصة في القطاع الخاص إلى استقطاب هذه النخب الطبية والاستفادة من خبراتهم الواسعة، خاصة في التخصصات النادرة والحرجة، مما أدى إلى تحسين مستوى الخدمات الطبية المقدمة للمرضى. لم يقتصر دورهم على تقديم الرعاية المباشرة فحسب، بل كان لهم تأثير ملموس في تطوير البروتوكولات العلاجية، ورفع كفاءة الفرق الطبية، وتعزيز ثقافة البحث العلمي والابتكار في القطاع الصحي.
وبفضل هذه الإسهامات، شهد القطاع الصحي في المملكة نقلة نوعية، حيث انعكس دمج الخبرات المتراكمة للمتقاعدين مع الطاقات الشابة على تطور الخدمات الطبية، ورفع معايير الجودة، وتعزيز مكانة المملكة كمركز رائد في الرعاية الصحية على مستوى المنطقة.

التقاعد بين الاستجمام والاستثمار في العطاء
هناك جدل حول طبيعة فترة ما بعد التقاعد؛ فبينما يدعو البعض إلى أن تكون فترة استجمام واستراحة من سنوات العمل، يرى آخرون أنها مرحلة للاستثمار في الخبرات المتراكمة. من المهم إيجاد توازن بين الراحة والاستفادة من هذه الطاقات، بحيث يكون للمتقاعد حرية اختيار دوره في المجتمع دون إجباره على العمل أو عزله عن المساهمة الفعالة.
في هذا السياق، يمكن تبني نماذج مرنة تتيح للمتقاعدين العمل بدوام جزئي أو في وظائف استشارية، بما يضمن استمرار استفادة المجتمع من خبراتهم مع منحهم الفرصة للاستمتاع بحياتهم الجديدة.

المتقاعدون مورد بشري ثمين.. لماذا لا يجب التفريط بهم؟
1. الندرة والطلب
بعض التخصصات تعاني من نقص حاد في الخبرات، والاستغناء عن المتقاعدين يزيد الفجوة، خاصة في المجالات التقنية والطبية والصناعية.
2. التكلفة الاقتصادية
استثمار المتقاعدين يقلل من تكاليف استقدام خبرات خارجية أو تأهيل كوادر جديدة من الصفر، مما يساهم في تقليل الهدر المالي
3. التراكم المعرفي ونقل الخبرات
فقدان هذه العقول يعني خسارة معرفة تراكمت لعقود ولا يمكن تعويضها بسهولة، إذ أن الخبرات المتراكمة لا تُكتسب فقط عبر التعليم، بل عبر الممارسة العملية الطويلة.
4. تحقيق الاستدامة
دمج الخبرات المتقاعدة يعزز استدامة القطاعات الحيوية ويضمن استمرارية نقل المعرفة للأجيال القادمة، مما يحقق أحد أهداف رؤية المملكة 2030 في الاستفادة المثلى من الموارد البشرية.

كيف نستثمر العقول المتقاعدة؟
برامج استشارية مرنة
تتيح للمتقاعدين تقديم استشارات مدفوعة وفق نظام عمل جزئي، مما يضمن الاستفادة من خبراتهم دون إرهاقهم.
منصات إلكترونية تربطهم بسوق العمل ، يمكن من خلالها ربط الشركات والمؤسسات بالخبرات المتقاعدة وفق الاحتياج الفعلي، سواء في مجال التدريب أو الاستشارات أو إدارة المشاريع.
إطلاق مبادرات تدريبية بقيادة المتقاعدين
يتولى فيها المتقاعدون تأهيل الكفاءات الوطنية الجديدة، مثل تدريب الأطباء الشباب على المهارات السريرية أو إرشاد المهندسين حديثي التخرج في المشاريع الكبرى.

المتقاعدون.. طاقة كامنة تنتظر الاستفادة
في الدول المتقدمة، تُعد خبرات المتقاعدين من الأصول الوطنية، حيث يتم الاستعانة بهم في الاستشارات، وتدريب الكوادر الشابة، والمشاركة في اللجان الاستراتيجية، وحتى قيادة المشاريع التنموية. في ألمانيا، يُوظَّف المتقاعدون كمستشارين في الصناعات الحيوية، بينما تعتمد اليابان عليهم في تدريب القوى العاملة ونقل المعرفة التقنية.

فلماذا لا يكون لدينا نظام يعزز الاستفادة من هذه النخب في المملكة؟
المهندسون المتقاعدون يمكن أن يكونوا مستشارين للصناعات الوطنية، والأطباء المتقاعدون يمكنهم تدريب الأطباء الشباب ونقل الخبرات الطبية النادرة، وأساتذة الجامعات يمكنهم الإشراف على الأبحاث والمشاريع التطويرية. هذه العقول ليست عبئًا، بل كنز يجب استثماره بعناية.

في ظل التحول الوطني ورؤية 2030، حيث يتم التركيز على الاستدامة واستثمار الموارد البشرية، من الضروري إنشاء برامج تتيح للمتقاعدين الإسهام في التنمية. وجود منصات رسمية لدمجهم في القطاعات الاقتصادية والتعليمية والصحية يمكن أن يكون خطوة نحو الاستفادة المثلى من هذا المورد الثمين
متى نستثمر عقول نخب المتقاعدين؟

الإجابة على هذا السؤال تبدأ من تغيير النظرة إلى التقاعد، فبدلاً من اعتباره محطة النهاية، يجب أن يُنظر إليه كمرحلة انتقالية نحو مشاركة أكثر نضجًا وخبرة في المجتمع. من خلال تشريعات داعمة وبرامج تمكين، يمكن تحويل المتقاعدين إلى قوى فاعلة تسهم في تطوير مختلف القطاعات

الخاتمة: تكامل الأجيال لتحقيق رؤية 2030

الشباب هم وقود المستقبل، والمتقاعدون هم الركيزة التي يستندون إليها لتحقيق التقدم. الاستثمار في العقول المتقاعدة ليس خيارًا، بل ضرورة استراتيجية لدعم التنمية المستدامة وتعزيز التنافسية. وفي ظل رؤية المملكة 2030، يشكل استقطاب الخبرات الوطنية المتقاعدة في مختلف القطاعات – وخاصة الهندسية، والبترولية، والمالية، والاستثمارية – خطوة جوهرية لضمان نقل المعرفة، وتسريع تنفيذ المشاريع الطموحة، وتعزيز الابتكار في بيئة العمل.

يجب على القطاع الخاص أن يدرك أن هذه الكفاءات تمتلك خبرات تراكمية ومعرفة عميقة بالأسواق المحلية والدولية، ما يجعلها موردًا ثمينًا لتحسين الأداء، وتطوير استراتيجيات مستدامة، ورفع كفاءة المشروعات الكبرى. ومن خلال تبني سياسات ذكية لاستثمار هذه العقول، يمكن خلق بيئة تكاملية تجمع بين خبرة المتقاعدين وحيوية الشباب، مما يسهم في تحقيق اقتصاد أكثر استدامة وازدهارًا. إن التفريط في هذه الخبرات يعني خسارة كنز وطني لا يُقدَّر بثمن، بينما الاستفادة منها تعني تسريع عجلة التقدم وتحقيق أهداف المملكة الطموحة.

الاستثمار في العقول المتقاعدة ليس رفاهية، بل ضرورة لبناء مستقبل أكثر إشراقًا.

*المهندس محمد عبد الله أبو فور مستشار متخصص في مجال الفحوصات اللاإتلافية، وله باع طويل في تطوير تقنيات التفتيش الهندسي في قطاع النفط والغاز. كما له مساهمات كبيرة في دعم برنامج الفحوصات اللاإتلافية في معهد إتقان وكلية الجبيل الصناعية.

يشغل حاليًا منصب المدير الإقليمي للجمعية الأمريكية للاختبارات اللاإتلافية لمنطقة 19، التي تضم المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، الهند، الكويت، عُمان، والعراق. وهو أيضًا عضو مؤسس في الجمعية الأمريكية للفحوصات اللاإتلافية – قسم المملكة العربية السعودية. حصل المهندس محمد على العديد من الجوائز المميزة في هذا المجال على الصعيدين المحلي والعالمي، كما تم تكريمه في مناسبات عديدة في الولايات المتحدة الأمريكية واوروبا.

قام بتطوير وتحسين العديد من تقنيات الفحوصات اللاإتلافيه، ومراجعة الإجراءات، واعتماد وتأهيل فنيي الشركة والمقاولين. بالإضافة إلى ذلك، قدم وأدار خدمات التفتيش المتقدمة وفقًا لمعايير الدولية للصناعة.
شغل المهندس محمد أبوفور عضوية مجلس إدارة الجمعية الأمريكية للفحوصات اللاإتلافيه بالولايات المتحدة الامريكية لفترة انتهت في عام 2018،
وفي مشواره العلمي قدم أكثر من 200 منشور، بما في ذلك التقارير الفنية، والمقالات العلمية، والعروض التقديمية الفنية في المؤتمرات والمنتديات والاجتماعات المحلية والدولية. بالإضافة إلى ذلك، ساهم في وضع معايير الفحوصات اللاإتلافيه المتقدمة، وراجع واعتمد العديد من تقنيات وإجراءات تقنيات الفحوصات اللاإتلافيه التقليدية والمتقدمة.

11 تعليقات

  1. شاكر ال سعيد

    التفاتة رائعة عزيزي المهندس بو جاسم
    نتمنى أن يسود هذا الفكر بيننا
    دامت أفكارك النيرة

  2. مقال مثري جدا. التقاعد هو البداية لفصل آخر من الاستفادة من العقول والكفاءات الوطنية المتميزة.

  3. عادل علي الصفواني أبو دانيال

    تسلم الايادي حبينا ابوجاسم وكلام عين الصواب التقاعد ليست النهاية بل هي البداية لتزويد شباب المستقبل بالطاقة والخيويه والاشراف عليها من قبل خبراء سعوديون امثالكم بذلوا كل مالديهم في خدمة الوطن والمجتمع
    نسال الله ان يكون تقاعدكم الهام ودعم للشباب الواعد

  4. إبراهيم احمد بزرون

    موضوع شيق اوفقك الرئي مهندس محمد في طرحك المفترض ان العقول تستثمر كل في مجاله في السنوات الاخير شوهد بعض القطاعات يستثمر فيها النخب كا الاطباء دو الاختصاص في فتح مركز طبيه متخصصه وايضا الشركات العالمية الي تعمل في مجال هندسة البترول تستفيد من خبرات المتقاعدين من شركة أرامكو السعودية او سابك وايضاً شركات التعدين كل في اختصاصه
    كل التوفيق مهندس محمد واتمنى لك حياة سعيدة حال تقاعدت او ما زلت تزاول العمل

  5. محمد علي القرني

    دايم مبدع يابو جاسم وفقك الله و سدد خطاك .

  6. وجيه اللباد

    *مقال رآئع وموفق جدا م. محمد ابو جاسم*

    اطروحة جميلة نتمنى أن نجد لها صدى كبيرا على مستوى الوطن ، مع وجود بعضها بالتأكيد ..

    فالكفآءات الوطنية زخم كبير تدفع بعجلة التقدم قفزات ممتازة .. وانتم من تلك الكفآءات وفخر للوطن

  7. جاسم احمد الحكيم

    المهندس محمد أبو فور قامة علمية بارزة وأحد الرواد الحقيقيين في مجال الفحوصات اللاإتلافية، حيث كان له دور كبير في تطوير وتحديث تقنياتها محليًا وعالميًا. طرحه لهذا الموضوع يعكس فكره العميق وحرصه الدائم على استثمار الخبرات الوطنية في نهضة المملكة. لا شك أن أمثاله هم الثروة الحقيقية التي يجب الحفاظ عليها والاستفادة منها. كل الشكر والتقدير له على جهوده وعطائه المستمر.

  8. محمد الصالح

    لك كل الاحترام والتقدير داىما مبدع اتمني لك التوفيق في الحياة ورفع الله قدرك ونفع المجتمع بعلمك وخبرتك في تقديم كل ماهو مفيد لهذا المجتمع المعطاء

  9. عبدالرحيم الربح ، العوامية

    احسنت سعادة المهندس ولا جف يراعك….

  10. ماشاء الله تبارك الرحمن ، قبل كل هذا العلم والمعرفة فأنت منهاج للوفاء وحب الخير وحب الوطن ، اتمنى لك حياة سعيدة ومليئة بالنجاح والصحه والعافية .. كما كنت تعلمنا وتوجهنا بعلمك فأنت الان صنعت لنا من نفسك سمة نقتدي بها وهي الوفاء والالتزام.

    رفع الله قدرك ابوجاسم

  11. نصر البدراني

    ماشاء الله تبارك الله. زادك الله توفيقاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *