ظاهرة مغادرة التلاميذ بيوتهم بعد وجبة الغذاء مباشرة من أجل الإستذكار في أحضان الطبيعة وخصوصاً أيام الإختبارات ولا سيما الإختبارات النهائية فقد نشبت أول شرارة لها مع بزوغ المدارس الرسمية الحكومية المبكرة حيث أنه من المعروف أن القطيف هي من أوائل المناطق التي حظيت بالتعليم الرسمي في زمن مبكر عندما تم تأسيس المدارس الحكومية فيها لما قام به الأهالي من مطالبات ولما امتلكوه من اهتمامات كبيرة بالتعليم وقد أسسوا العديد من المدارس الأهلية قبل تأسيس المدارس الرسمية وكذلك لمثابراتهم في متابعات ومطالبات إنشاء المدارس الرسمية منذ بداية تأسيس التعليم في المملكة العربية السعودية.
لقد بدأ هذا النوع من الإستذكار في الهواء الطلق من بعد منتصف خمسينات القرن العشرين وقد بلغت ذروة هذه الظاهرة في سبعينات قرن العشرين حيث عصر الإقبالة على الدراسة وتقدم المستويات الدراسية ومضاعفات ازدياد عدد الطلاب بسبب الإقبال الشديد على الدراسة بسبب الوعي بأهميتها ولما لها من شأن في تحسين مستوى الفرد والمجتمع وعليه فقد بدأ بناء المزيد من المدارس بجميع مستوياتها وطبقاً لذلك فقد امتد هذا النوع من استذكار الدروس ليتجاوز طلاب المدارس فيشمل طلاب الجامعات والكليات ومختلف المعاهد العلمية.
بين عيون قديمة فياضة بالتدفق الطبيعي على مدى السنين يشق جريان مياهها جداول نهرية تسقي تلك البساتين ثم تتابع مسيرتها لتصب أخيراً في البحر الذي أصر أن يلتصق بتلك البساتين بدون أي فواصل وإذا هاجت أمواجه أطفأ غضبها بدسها بين نخيلات تلك البساتين المجاورة له، ومن بين ممرات تتراوح بين الضيق والإتساع في أنحاء هذه البيئة قد جذبت بسحرها الأخاذ هذا الطالب وشدته ليخرج من بيته وزجت به في أحضانها وهو يحمل بين يديه كتابه ليجدد نشاطه وسط طبيعة خلابة عناصرها الماء والخضرة والبحر والتقاء البحر ببساتين النخيل من أجل الجلوس تحت ظل الباسقات ونسيم الهبات الهوائية القادمة من البحر لتساعده على استيعاب ما يقرأه.
الطالب هنا تراه في حركة ذائبة ففي جميع انحاء الأحياء والقرى يخرجون من بيوتهم بعد الغذاء مباشرة ومن ثم يباشرون المذاكرة على ثلاث طرق اغلبها وأولها تنقل الطالب مشياً على قدميه وهو يحمل كتابه في يده ليذرع المنطقة ذهابا وإيابا وحتى أذان المغرب ليعودوا زرافات جماعات إلى بيوتهم الكائنة في أحيائهم وقراهم، وأثناء المذاكرة نجدهم كالنحل ينتقلون من قرية إلى قرية بل ومن مدينة وإلى مدينة من مدن المحافظة كل ذلك وكتبهم في أيديهم يستذكرون دروسهم وقد تركزت أفكارهم في دروسهم وشردت أفكارهم عن الطرقات التي يمرون فيها فهم يتنقلون من مكان إلى آخر دون ما يشعرون بذلك وكلما قطع احدهم مشوار التقي بجماعات وأفراد من زملائه الطلاب وكلما مر على مجموعة القى السلام عليهم ولعله عرض عليهم اسئلة قد جمعها أثناء استذكاره لدروسه لم يكن ملماً بإجاباتها فيحصل عليها من بعض زملائه أثناء المناقشات.
والطريقة الثانية هو أن يلوذ كل تلميذ إلى مكان مفضل لذيه فيجلس فيه للإستذكار طوال الوقت وربما تحرك قليلاً من مكانه بين فترة وأخرى وعاد إلى مكانه وقد أُدخِل على هذا النوع من الإستذكار تحسينات جيدة وهي حمل سجادة صغيرة يفرشها في مكانه المفضل. وأما الطريقة الثالثة فقد سبق الإشارة إلى بعضها وهي طريقة الاستذكار الجماعي من أجل التشاور وحل المسائل المستعصية وخصوصا في مجال الرياضيات فمراسيم مذاكرة الرياضيات عندهم مختلفة فهي تحتاج لدفاتر وأقلام وتبادل آراء وجلسات تحت ظل الباسقات واستقبال نسمات البحر.
لا طالب يجلس في بيته للمذكرة مطلقاً إلا ما نذر وحتى من كان مقصرا في دراسته وذلك من باب (تغيير جو) وكذلك (حشر مع الناس عيد) وكم فتح تغيير الجو هذا أبواب آفاق لتلاميذ كان لذيهم الإستعداد الاكتسابي الكامن ودون معرفتهم لذلك فاكتشفوا ما لديهم من قدرات لم يتوقعوها بفضل تقليد زملائهم في الخروج للمذاكرة في الهواء الطلق وإذا بهم من أفضل المنافسين في الدراسة.
ظاهرة استذكار الطالب القطيقي بين أحضان الطبيعة هذه ليست مجرد طبيعة تفتق الأذهان وتوسع آفاق المدارك فحسب وإنما أيضا هي مدرسة أخرى اضافية إلى مدرسته الرسمية ففيها كثير ما يتم نظام الإستذكار الجماعي ولو في أوقات معينه من أوقات استذكارهم وفيها يتم أيضاً تبادل الآراء وطرح وجهات النظر حول الدروس وكل يشرح بوجهة نظره وبطريقته وهناك يتم أيضاً تلقي الدروس من طالب رفيع المستوى في الاكتساب العلمي وعادة مايكون لديه الحماس والإستعداد التطوعي ولا شك أن الطالب يكون أقرب الى طالب مثله في نفس مستواه العمري والإجتماعي وبالتالي كل يعرض على الآخر ما عنده وحتى مشاكل الاستيعاب فالجميع يتلقى الدروس بكل أريحية من الآخر دون أي خجل أو خوف من زميله بل ولا يتردد في أن يفتح قلبه أمام زملائه ليسأل عن ابسط الأشياء وأتفهها ويلقى الجواب الشافي لأسئلة قد كانت تشكل عقبة كبيرة فانزاحت بفضل المذاكرة الجماعية.
تعال معي عند مناطق (السدود) وما أكثرها في القطيف وهي مصارف المياه التي أطلق عليها الأهالي السدود ولتسميتها بهذا الإسم قصة طريفة يطول شرحها فلا يسعنا ذكرها في هذا المقام، فأرض القطيف مطرزة بكثرة هذه السدود فترى الشباب وكأنهم اللؤلؤ المكنون المتناثر وجودهم بين السدود. إنها ظاهرة قد انفرد بها المجتمع القطيفي ولا أقول انها مقتصرة عليهم ولكنها اصبحت أيقونه من أيقونات القطيف التي يتعجب منها الزوار والسائحون حين مشاهدتهم لذلك المنظر الممتع.
واقعاً لو تتبعنا أصول هذه الظاهرة لأدركنا أنها ليست وليدة هذا الوقت الذي نتحدث عنه وإنما كان لها جذور ممتدة من أعماق المجتمع السالف فهي عادة متوراثة منذ القدم ولكنها مطورة وبتحسينات جديدة ومتكاثرة قد أُدخلت عليها فهي بمثابة ثروة تم تنميتها ومضاعفاتها عن ذاك الجيل فلقد كنا نرى ونسمع عن بعض علماء الدين والشعراء والأدباء يذهبون إلى بساتين النخيل للتفرغ من أجل المطالعات والقراءات وكم كنا نلاحظ ذلك فلا شك أن تلاميذ المدارس الحديثة في تلك الآونة قد تأثروا بأسلافهم من أجل المذاكرة.
لقد استمرت هذه الظاهرة وكانت في ازدياد متواتر حتى فترة انقشاع هذه البيئة الطبيعية حين تخاصم البحر مع بساتين النخل فافترقا وغارت تلك العيون النباعة الفياضة فعجزت عن تزويد جداولها بالمياه وحلت الغابات الإسمنتية محل الباسقات، عندها غادر التلاميذ هذه المدارس التي كانوا يستذكرون فيها دروسهم مع بدء ثمانينات قرن العشرين الماض وعادوا لمراجعة دروسهم في منازلهم.
*الأستاذ عبد الرسول الغريافي باحث في التراث ومؤرخ.