السنوات الخمس الأولى والإعداد المنزلي – بقلم د. نايف عبد الغني آل دبيس

خمس سنوات تتوالى ثم خمس ثم خمس. حتى إذا انقضت يكون الطفل قد استوى على أرض صلبة من الاستقلال وقد تصلبت عظامه من مأكله ومشربه وحان الوقت للتصلب (النضج) العقلي وهو ما يمكن أن يعبر عن استواء الصور الذهنية عنده عن ذاته وعن العالم المحيط به ولا يتأتى هذا من مأكل ومشرب بل من مسموع ومرئي ومحسوس.

عملية الفهم عند الأطفال في أول عهدهم بالحياة لا تكون على حال واحدة.

“بياجيه” و”فرويد” و”اريكسون” كتبوا نظرياتهم عن التطورات التي تعكس تحولا في هذه العملية. دعوني آخذ من كل تلك النظريات تعبير: التحول المنطقي.

خلال كل مرحلة من خمس سنوات يمكننا مشاهدة تحول بالمنطق الذي يستقبل الطفل به العالم ويعالج ويعبر من خلاله المعلومات الآتية إليه بقصد أو بلا قصد!

المنطق الحسي والمنطق اللغوي والمنطق العاطفي هي ثلاثة سبل تحكم الإنسان وهو يتلقى رسائل العالم المحيط به من ساعة التعلق بجدران رحم أمه حتى التعلق بحضن أمه أو أبيه حتى التعلق بإحدى ألعابه وصولا الى التعلق برفقة أحد أصحابه.

العالم كله في أول الأمر عند الطفل هو حضن والديه. والكون كله هو بيته. ثم يمتد قليلا ليشمل بعض الأقرباء والأصدقاء ثم الطريق للبقالة ثم الحديقة والروضة ومواء قطة وزقزقة عصفور وقطع من الحلوى.

في السنوات الخمس الأولى تتسلل اللغة اللفظية للطفل ببراعة وتؤدة وتحدث معجزة اكتساب لغة الأم دون أية ضوضاء احتفالية فهي من المعجزات المألوفة لأنه تحدث كل يوم لكن ذلك لا يلغي اعجازية الحدث. هل تتذكر أول مرة قال فيها طفلك بابا؟

على كل حال ، لا تستوي اللغة عند الطفل في هذه المرحلة الأولى . إذن بماذا يستعين الطفل لكي يفهم العالم؟ كيف تتحقق صورة ذهنية دون كلمات وعبارات؟ المنطق الحسي هو سيد المرحلة. 

المنطق الحسي هو حاكم الفهم الذي تكون قبضته أشد في اول الأشهر والسنين حتى يبدأ بالتنازل عن السلطة بالتدريج حينما يجد اللغة اللفظية بجناحيها: الاستقبالي والتعبيري، قد زحفت إلى مناطق نفوذه.

في المنطق الحسي يكون الصوت هو السيد لكن ليس عبر الكلمات بل عبر مواصفات الصوت الحسية فحسب. حدته وسرعته والنبرة وكل ما يمكن أن نعتبره المحتوى العاطفي للصوت. وعندما نتناول الصوت كمكون للمنطق الحسي فإننا نشمل كل صوت ، أصوات الآلات وسقوط الصحن وانكسار الزجاج وضجيج المطارق على رؤوس المسامير ومحركات السيارات والكلمات وكذلك الصرخات والقهقهات والعطسات.

يسجل الدماغ كل هذه الأصوات مستخرجاً المعاني منها وفق السياق والرفاق. السياق مولد أساسي للمعنى فصوت انكسار الزجاج في لحظة صمت مختلف تماما عن ذات الصوت ونحن في غمرة اللعب وتعالي الضحكات وصرخات الفوز! أما الرفاق فهم كل ما يرافق الصوت من مؤثرات ومحددات أخرى مثل: رؤية وجه الأم متبسماً ناظرا إلى وجه طفلها الرضيع حين انكسر الزجاج فهو بمثابة القول: لا تخف فأنا لست خائفة. بخلاف ما لو أن وجهها عبس وتولى عنه.

مما لا يخفى أن الدماغ لديه محددات غريزية أعطت كل البشر معاني ثابتة فالصوت المرتفع يعتبر تهديد فكل البشر من أول يوم بحياتهم يخشون الصراخ وهو وسيلة تهديد أو تحذير ، الصراخ الممزوج بنبرة البكاء يمثل الخوف وربما الفزع. وكذلك نعرف جيداً ما للضوضاء من تأثير يجعل الصوت سبب متصل برفع درجة ضغط الدم وغير ذلك من التأثيرات الفيزيولوجية.

شاهد كيف يؤثر الصراخ على الأطفال(1)

وأخيرا عندما يضاف للصوت لغة الجسد فإن المحتوى الحسي يزداد غنىً فمعنىً. فصراخ وضجيج مع ركض يجعله مصدر خوف لكنه مع القفز قد يشير للفرحة! أ ليس كذلك؟

وحيث أننا أدخلنا المحتوى البصري للمشهد فعلينا الآن أن نتأمل طويلاً كيف أن العين تلتقط المعاني مما تراه فحسب دون أي صوت ثم مع ما يحتويه المشهد من أصوات. راجع المقالة العلمية حول الحرمان السمعي وعلاقته مع المعالجة البصرية للوجوه(2) ، وأيضا المقالة العلمية حول أهمية دور البصر ورؤية الأشياء في نمو الطفل وتأثير ضعف البصر الدماغي (CVI) على النمو الإدراكي(3).

مما يستدعي التعجب كيف تحدث الابتسامة الاجتماعية الأولى. أول مرة إبتسم فيها رضيعك لا يمكن أن تنسى. هل هي تقليد أم تأكيد معرفي أم علامة انطباع جيد يرسلها لك هذا الرضيع؟! نظراً لمعرفتنا حول القدرات الذهنية للرضع فلا يمكن لنا إضفاء معاني لهذه الابتسامة الساحرة ونميل لاعتبارها تقليد لابتسامة مرسلة منا إلى الرضيع تعبر من عينيه لدماغه فيعود بالتحية!.

إذن العين هي بوابة يعبر منها العالم كله نحو دماغ طفلنا الصغير. ماذا تلتقط هذه العيون بالضبط وكيف تصنع منطق حسي بصري ينفع في بناء صورة ذهنية عن هذا العالم وعليها يبنى الفهم العام لهذا العالم وإضفاء المعاني واستخراج القواعد التي يسير وفقاً لها حتى يتمكن من إعداد نفسه هذا الطفل النامي لكي يعيش في هذا العالم متوافقاً معه بنحو ما.

خلاصة هذا الشرح تطبيقياً هي أن الوالدين عليهما القيام بحرص بصنع مشاهد حسية مقصودة تصنع منطق مستقر يخبر الطفل عن العالم الذين يعيشون فيه وعن الارتباطات الاجتماعية الممنوحة لهم الضامنة للأمان والحب لكي يمكن تحقيق المرحلة التالية بسلام وكفاءة وهي مرحلة : التعلم.

أول خمس سنوات هي إعداد هام لتخريج الطفل جاهزاً لعالم التعلم في الخمستين التاليتين. مقر الإعداد في الخمس الأولى هو حضن الأم وحضن الأب والبيت فاجعلوا بيتوتكم آمنة.

روابط المصادر العلمية:

  1. https://www.healthychildren.org/English/safety-prevention/all-around/Pages/how-noise-affects-your-child.aspx#:~:text=Still%2C%20environmental%20noise%20can%20have,over%20where%20they%20spend%20time.
  2. https://www.nature.com/articles/srep41133
  3. https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/36547695/
الدكتور نايف آل دبيس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *