جمعية فلسفية في السعودية ، هل حان نداء العقل؟ أهي اليقظة من بعد طول سبات؟ ثم ماذا بعد اليقظة؟
تأتي الجمعية الفلسفية في السعودية في مرحلة تحاول الافلات أو ربما التخفف من قبضة التراث بما يحمله من أعباء واخطاء وإرساء عهد جديد أكثر انفتاحا ، ولو أن الانفتاح لم يكن خيارا بل هو ضرورة العيش في المجتمعات الحديثة ، ولا نملك حيث فرض تطور التقنية المذهل أن يكون المجتمع مفتوحا وبلا أسوار إلا أن نتعايش مع هذه المرحلة بكل إكراهاتها. فما هو المطلوب؟
وهي تأتي – جمعيتنا الوليدة – والعالم يموج بالافكار والتحولات والعنف والفقر والاضطرابات السياسية والاقتصادية ، ومشكلات لا حصر لها بعضها يتصادم مع خريطتنا الادراكية كما يحلو للمسيري أن يصف طريقة التفكير. فلكل عقل خريطته الادراكية ، يسلك العقل من خلالها طرائقه الخاصة في النظر إلى المشكلات ومعالجتها. ولذا نجد الجابري يؤكد على تمايزات العقول ، فهناك العقل العربي والعقل الهندي والعقل الصيني والعقل الغربي وهم متمايزون من حيث التكوين والبنية.
إننا نواجه مشكلات لم تكن مطروحة من قبل ، لم يألف العقل العربي الإسلامي مواجهتها ، أو لأن بعضها كان في دائرة القضايا المحسومة في مجاله التداولي وفضاءه المعرفي ، كما في النظر إلى حقوق الانسان وحقوق المرأة وموقعها في المجتمع وكذا النظر إلى المثلية والجندرة والتحول الجنسي وما تستدعيه هذه المشكلات من تساؤلات في معنى الدين والاخلاق بل في المعنى نفسه.
فهل من معنى أم هي العدمية حيث لا معنى لكل شيء ، يتساوق الخير والشر ، ذاك الذي بشر به نيتشة رائد العدمية الغربية ، إنها السيولة المطلقة ، والحركة بلا اتجاه ، والدوران من غير مركز ، أسئلة عصفية ، مثيرة حملتها ريح الغرب الينا لتسلب دعتنا ، أماننا ، يقيننا ، والأعنف منها تسلبنا إيماننا ، تلقي بنا خارج مساجدنا ، لنعيش الغربة مع الأيام ، والاغتراب عن الذات.
؛؛فهل نؤسس ، في جمعيتنا الفلسفية ، للعدمية عبر تمجيد روادها: رائدها الأكبر نيتشة ( هكذا تكلم زرادشت ، ما وراء الخير والشر ) ، البير كامو ( الغريب ) ، سارتر ( الغثيان) ، كافكا ( المسخ) …… الخ؛؛
كل هذا الهم البشري الراهن يفرض تساؤلاته الخاصة ، ويراد لنا تغيير خريطتنا الذهنية للتلائم مع روح العصر ، ولم تكن إلا روح السيد الغربي المنتصر. هي إشكالاته وتساؤلاته ينثال بها علينا ، ينقلها من مجاله التداولي إلينا ، مدعومة بالتقنية التي تدخل كل بيت بلا استئذان وتثير كل عقل وتضعنا وتراثنا في مواجهة مفضوحة وصارخة.
فكيف لعقلنا العربي وبالخصوص لعقلنا نحن في الجزيرة العربية الذي طال به أمد ارتباطه بالنص بطريقة مباشرة مبتعدا عن أفق التأويل الرحب الذي يلبس النص أثوابا جديدة ، يجعل منه حيا ، معاصرا ، مهما تغير الزمان واستجد الجديد. إنه النص الذي طالما كان الملاذ حين تعصف عاصفة التساؤلات وتهب ريح الشك ، لطالما كان قلعتنا الحصينة نحتمي بحضنها الدافئى حيث الامان ، وحيث اليقين. كيف لهذا العقل أن يواجه قوة التساؤلات التي ربما هزته بعنف من الداخل ، هزت بنية عقله اللصيق بالنص الذي انتج مساحة واسعة من المسلمات.
فما هو إذن المطلوب من جمعية العقل أن تصنع لمجتمعنا المستباح امام طوفان الاسئلة الصعبة؟
هل تملك خطة إنقاذ؟
هل تكون مهمتها معاودة النظر في التراث علها تجد في تراث الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وفلاسفة الاسلام حلا لمعضلات العصر ولأسئلته الشائكة. أو ربما تجد في تراثهم تأويلا نافعا يسكن آلآمنا ولو لبعض الوقت من اوجاع الحاضر ، هذا الحاضر الذي هو بالتحقيب المعرفي ماض لازلنا نعيش فيه ، ربما هربا من تحديات العصر وأسئلته المختلفة جذريا ونوعيا عن أسئلة التراث.

هل تسعى جمعية نداء العقل هذه لاصلاح التراث الذي يجمع شتى تناقضاتنا الراهنة ، فهو -لا- لم يبرحنا ولم نبرحه ، حي هو لا يزال فينا. ففي تراثنا يسكن الغزالي وابن رشد وفيه ابن عطاء وأبو الحسن الاشعري ، وفيه ابن تيمية وابن مطهر الحلي وفيه شتى المذاهب والمدارس.
أين نقف من كل هذا؟
هل عليها الاصطفاف؟
أم عليها فحص هذا التراث لإكتشاف علله وآفاته ، لتعاود طرح سؤال شكيب أرسلان: لماذا تقدم الغرب وتأخرنا؟ هل تأخذ على عاتقها قراءة مشروع اركون وهاشم صالح اللذين يرون أن العقل الإسلامي سبب عجزنا وسبب الاغلال التي تكبح انطلاقتنا ، أم تأخذ على عاتقها قراءة مشروع الجابري الذي يرى مكمن داءنا في عقلنا العربي الذي لم يتغير ، إذ لا زال يعيش مع أمرؤ القيس وعنترة ابن شداد وطرفة ابن العبد ، فلم تحدث القطيعة مع رموز الجاهلية بعد مجيء الإسلام.
أم نقرأ المشروع الفلسفي الأخلاقي لـ طه عبد الرحمن ، هذا الفليسوف الكبير حقا الذي حارب التقليد المستتر والفاضح للمشاريع الفكرية العربية وقد نجح إلى حد كبير في بناء النص الفلسفي الاسلامي المستقل عن دائرة التأثر بالنظر الغربي.
و إذا أرهقها التراث بمشاكله وما يعج به من أزمات ذات تعقيدات مركبة ، غبار كثيف يحجب عنا الرؤية ، هل نتخلى عنه ونعلن القطيعة معه أو نعلن موته إذ لا مصلحة لنا في إحياءه بل إن حداثتنا مرهونة بالقطيعة معه. وكم يطيب للغروي أو داريوش شايغان أن يصدحا بهذه الحقيقة وإن كانت ثقيلة ، مرة المذاق ، علقم يصعب بلعه.
وإذا لم نبقي للتراث بقية ، فهل تؤمم وجهتها وتتعلم درسها من لحظة الحداثة الغربية ، تلك الحقبة من التاريخ الذي استيقظ فيها العقل الغربي ، تلك اليقظة التي سمحت لنور العقل أن يكون إمام نهضتها وسيد مشروعها الحضاري. لم تكن ، بالطبع ، يقظة سهلة ولم يكن الطريق سالكا بل اعتور نهضتها منذ البداية تراثها الجامد ، ذلك الذي هو أشبه بالصخر لا روح فيه ولا عقل.
كانت البدايات ومضات واشراقات هنا هناك ، قادت مع تظافرها إلى الغرب الذي نشهده اليوم. بدأت حكايتها من فلورنسا ثم سرعان ما انتشرت ليعم الغرب بأكمله. ألهم فنانوها الخيال ، وحركوا العقول ، وانطلق العقل الغربي متخففا من أعباء التراث حتى قطع معه قطيعة لا يشبهها قطيعة.
؛؛كانت قطيعة تشبه قطع الحبل السري لوليد مع رحم أمه. وليد لا يشبه أمه عاق لها أشد ما يكون العقوق؛؛
ومضة أعقبتها ومضات وهكذا مضت حكاية الغرب الحديث ، ليس لنا أن نرويها ، إنها قصة طويلة ، لكن نسوق بعض بطولاتها أمثلة علنا نجد طريقنا من خلالها. ومضة في أقصى الغرب الأوروبي ، إنجلترا ، في القرن السادس عشر حيث فرانسيس بيكون يدشن عصر التجربة ، عصر الحس ، وينقل العقل من طوره الاستدلالي القياسي إلى طوره الاستقرائي الذي لا يعترف بأية مقدمات عقلية لا تخضع للتجربة.
وها هو أيضا يحدد الاصنام التي شاب عليها العقل البشري منذ فجر التاريخ ويمنهج تحطيمها. ومضة أخرى تنطلق من فرنسا الجار المحادي للانجلترا ، حيث كان ديكارت يعبر من الشك إلى اليقين بالعقل ويجعله دليل وجوده ، ويؤسس منهجية الشك ، فنحن بالشك نقضي على مصادر الشك.
ومع كانط كانت ومضة أخرى قطعت صلة العقل بالميتافيزيقا ، هل نسمي هذه ومضة أم تدشين عهد جديد في أوروبا يقبع فيه العقل في مركز دائرة الحياة ومشروع نهضتها ، فلم يعد للميتافيزيقا دور في حركتها الحضارية. وهكذا تصاعد المد الغربي بإتجاه حضارة تقترب من قطع الصلة بالسماء.
لم يعد بإلامكان أن نتعقل الايمان ، ولم يعد بعد أن حققت أوروبا نهضة علمية وتكنالوجية لا أقل ما يقال في حقها أنها عظيمة حقا ، أن تنفتح على ما كان سبب تأخرها ، تراثها المسيحي ، لترضى له بالعيش في وسطها بل لتسجنه وسط صوامع كنائسها بعيدا عن حياتها.

ثم ماذا حصل مع هذه الحكاية التي تبدو رائعة وجليلة ، لقد حدث ما لم يكن بالحسبان ، لقد انتفض العقل على العقل ، وطرد منها منبوذا. فما كان سبب نهضتها وقيامها وثروتها التي تمكنت بفضل جبروته أن تسرقها من شعوب أفلت عقولها أنطفأ أنواره ، أن أنقلبت عليه ، لم تعترف له بفضل ، فكم كانوا جاحدين.
اين الخلل؟
ولما كان ذلك؟
تلك رواية أخرى ، قد تطول ، لكن قد نوجزها لمناسبة المقام ، فبعد أن ازدهرت أوروبا وتقدمت ، غرقت في مصيدة التشيؤ ، تشيأ عقلها ، ما كانت لتفكر إلا في المزيد من الثراء والرخاء ، تبلد حسها الإنساني ، قطعت مع السماء وارتبطت بالأرض أشد ما يكون الارتباط ، تطينت أصبحت لصيقة بالأرض ، ماتت روحها ، أصبحت جسدا بلا قلب ، ماتت فيها الرحمة ، تخبطت في متاهات المادية.
؛؛أصبحت الاخلاق تحمل معنا واحدا مزيدا من القوة ، مزيدا من الهيمنة مزيدا من الثروات. فأصبح العقل متشيئا ، خطرا على الانسان يهدد حياته. قد استباح تشيئه الأرض ينهب الأرض ويستعبد البشر ، ثم ما لبث أن انقلب على ذاته؛؛
هل كانت الحداثة الغربية التي كان مؤملا لها أن ترتقي في منحنى تصاعديا أن ينشب في داخلها حربين عالميتين كبيرتين.
هل هكذا أوصلها عقلها؟
وإن كانت حكاية الانقلاب على العقل قد بدأت قبل ذلك مع أحد أكابر مفكريها الغريب جدا ، نيتشة الذي افتتح عهد ما بعد الحداثة بتوجيه سهامه للحداثة ، وكشف عن سوآتها ، وأستهل مشروعه الضخم بضرب مركزية العقل في أوروبا ، واكمل مشروعه بموت الإله.
هل كان شاذا من بين مفكري الغرب أم أنه كان البداية لمتوالية حسابية تتطور في نبذها للعقل والمعنى. وهذا ما حدث إذ استمرت حكاية الحداثة بالانقلاب على العقل ، فأعقب نيتشة فلسفات لم تتخذ البرهان طريقا لها ، أسقطوا منهجية الاستدلال ، و أنّا لها أن تتخذه منهجا بعد أن تخلت عن عقلها. فجاءت فلسفات الحياة ، تفكر في العيش ، تبتعد عن معضلات الفلسفة الصعبة ، لتفكر في قضايا أقل شائكية ، نحو من التأملات في معنى الحياة والموت والقلق والعيش المشترك وأشباه هذه القضايا.
فكانت وجودية سارتر وهيدغر ، وجودية ملحدة نافية للاله أو ليس له من وجود في معترك الحياة. إذ الحياة حياة الانسان يشكل ماهيته بحريته ، إذ الحرية شرط الوجود وبه قوامها. ثم ما لبث الغرب أن تخلى عنها ليدخل في موجة أخرى تلك هي البنيوية ، ويالها من بنيوية أماتت الانسان وأماتت المعنى.
؛؛فبعد أن أمات نيتشة الإله أكملت البنيوية مشروعه بموت الانسان في التاريخ. لم يعد الانسان إلا جسر عبور للعلاقة المهيمنة في حركة المجتمع والاقتصاد؛؛
الانسان تاريخه حديث جدا ومآله الاختفاء من التاريخ ، أمات الانسان مفكرو الغرب الذين يحظون بالتمجيد وهم فوكو ولاكان وبياجيه وفرويد. والأخطر القادم هو تحنيط الانسان ونقله إلى مرحلة الربوت ، ذاك مشروع الانسانوية الثالثة.
فهل نجعل مفكريه قدوة؟
هل نكون صدى لأفكارهم؟
هل تكون مهمتنا في تمجيد العقل الغربي بوصفه عقل التفلسف الاول وعقل الحضارة الحديثة؟ هل نقطع تماما مع التراث ونزج به في أتون النسيان ونتحرك على خطى الحداثة الغربية كما يرى بعض مفكرينا من المغرب العربي؟
هل ترانا نقبل موت الإله ونقبل موت الإنسان ونقبل بنصف إنسان ونصفه الآخر حاسوبا مبرمجا؟ و أن ليس لنا إلا التسليم للسيد الغربي ، وأن نستعيد مقولاته ، أم نعتبر هذا محض هذيان الغرب ، صنيعة غربتها ، إلحادها ، فجورها.
وبعد ، ماذا على الجمعية السعودية للفلسفة أن تفعل وسط زوابع الأفكار والإشكاليات؟ ماذا ستقدم لانساننا الحاضر ولأجيال المستقبل وسط سعار الأفكار والايدلوجيات والتساؤلات؟
قد فرحنا أشد ما يكون الفرح بولادتها ، نتابع بإهتمام برامجها. وإن كان المؤسسون لها مدركون لخطورة مشروعها وأهميته ، فإن حرصنا عليها يستدعي التنبيه على أن مشروعها قد يسقط إذا كان بلا خطة بعيدة المدى ، خطة لا تستهدف النخبة فقط بل يمتد مشروعها للمجتمع بأكمله.
وحذاري من أن تجعل من نفسها نادي مغلق يمارس فيه النخبة تمرينا عقليا. فمن السهل عليها أن تحصر مشروعها في النخبة ، نخبة يتحدثون لبعضهم البعض وينغلقوا على أنفسهم ليجتروا فلسفات هيدغر وسارتر وفوكو ودريدا وهي مشاريع قد تخلى عنها الغرب منذ زمن أو قد تجاوزها في منحنى مطرد من الغواية والعدمية.
لقد استيقظنا متأخرين لنجد أنفسنا عطاشا لأفكار قد عف عليها الدهر وشرب. فهذا يتحدث عن عبقرية هيدغر وذاك يشيد بميشيل فوكو ، ثم لينالوا بعد ذلك التصفيق ولينالوا أوسمة المفكرين. لا أود أن أنتقص من أحد ابدا ، كل تلك القراءات جيدة ولكن الحذار من أن تكون إنبهارا و اجترارا ولا تكون قراءة نقدية ، تستثر عقلنا العربي ، تحرك مكامن القوة فيه ، تستحثه ليبدع ويكتشف حلولا للمشكلات ، تحليلا وتركيبا.

أجد من الواجب الوطني والقومي حفاظا على قيمنا ، حفاظا على العقل والمسجد معا في توازن دقيق جدا وحساس، أن يمتد مشروع نداء العقل هذا ليطال المجتمع بأسره. يمتد ليستهدف بناء الانسان وإعداده لمشروع نهضوي.
وهل يكون ذلك إلا بنشر الوعي فيه ، باستنهاضه للتفكير في مشكلاته ، وطرح تساؤلاته ، بتسليحه بسلاح النقد ليصمد أمام حركة الأفكار ، يمحصها ، لنجعل من إنسانه ناقدا للتراث ومقاوما للفكر الغربي بحركة فكرية مضادة لا تقبل الاستكانة والإستسلام للمنتصر في ساحة التكنولوجيا أن يلوث عقلها وروحها.
؛؛يجب أن يكون هدف الجمعية في المجتمع هو رعاية الحس النقدي وتنميته حتى تستطيع مجتمعاتنا المفتوحة أن تواجه الأفكار بروح النقد وليس بروح الهزيمة؛؛
كان من دواعي استحكام قبضة التراث أن أمتنا العقل النقدي ، فكان سمين الأفكار وغثيثها نتقبلها دون مراجعة دون فحص وتمحيص. هذا كان مكمن الخطأ ، أفول العقل المفكر ، وأفول العقل الناقد النافذ في عمق الأفكار لفصل طيبها من خبيثها.
إن كانت جمعية العقل لتقدم خدمتها للإنسان ، للمستقبل فعليها أن تسعى في نشر ثقافة النقد ، ورعاية العقل النقدي على أشد ما تكون الرعاية والاهتمام. ذلك هو الهدف الأسمى الذي لا بديل عنه في صراعات الحاضر وإكراهته والمستقبل وما يحفل به من معارك فكرية ومشكلات حياتية لا يخلو منها عصرا من العصور.
*د. جاسم حسن العلوي ، دكتوراه في الفيزياء ومؤلف كتاب العالم بين العلم والفلسفة.