“ولل! اسمع! قام دق الصيران”
عبارة يطلقها أحد الأشخاص -ساخراً- عند سماعه لأصوات (شدخ) مفاجِئة. والشدخ من أصل عربي تدل على صدور اصوات الضرب فشدخ الرأس أي شجه نتيجة ضربة يصدر منها صوت.
والصيران هي صيغة جمع لصار بمعنى يتضمن الجص وصناعته والتنور الذي يشوى فيه الطين في الهواء الطلق، والصار هو كومة من قِطع طينية يُحصل عليها عندما يفرش الطين على الأرض وبقعل تعرضه لأشعة الشمس الحارقة فإنه يتشقق مكوناً كِسف طينية تجمع وتُكَوَّمُ فوق قطع جذوع النخل التي يزيد طولها عن المتر والنصف تصف على شكل مخمس أو مسدس أو مثمن (حسب حجم الصار) حيث تصف الجذوع فوق بعضها بطبقتين أو ثلاث او أكثر، ثم يوضع في وسطها كوم من تلك القطع وتضرم النار في الجذوع وقد تستمر ليوم أو ثلاثة أيام ثم بعدها يصنف إلى قسمين أو ثلاثة فالداخلي يعرف بالقِلب (بكسر القاف) وهو الأجود ويخصص في استعماله لصنع الزخارف الجصية والمساح (التلييص)، وبعده الجص العربي ايضا للمساح وللتلييص وأما الرديء منه وهو الذي يشاب بالرماد ولم يتعرض لدرجة حرارة متساوية او لم يحرق جيداً فهذا الخليط يعرف بالخكري وهو المستعمل للبناء وكملاط ليمسك الأحجار.
بعد تصنيفه تأتي مرحلة دق الصيران حيث توضع هذه الكتل الطينية المشوية على الأرض ويقوم رجال أشداء يحملون فروع أشجار غليظة تعرف بالمجِّين وهي الأداة التي يضرب بها الصار لتحويله الى مسحوق اسمنتي وهي فرع شجرة قوي له رأس امتن من الجهة الأخرى وهناك نوع آخر يعرف بالضبر.
وأما عن تاريخ استخدام الجص في هذه المنطقة فقد عرف القطيفيون صناعة الجص منذ آلاف السنين وهناك أدلة شاهدة على ذلك والتي نشاهدها في كثير من المدافن القديمة كمدفن جاوان شمال صفوى وكذلك في معبد عشتاروت بجزيرة تاروت والذي لايزال حتى أيامنا هذه مقاوما ومتماسكاً وهو يمسك صخور مكعبة ضخمة وفي القلاع القديمة أيضاً وآثار القبور والشواهد والزخارف الجصية (اعني التاريخية القديمة منها) وكذلك الأبراج القديمة والقنوات الأثرية فجميعها بنيت بمادة الجص المُصَنَّع محلياً فهي مادة اسمنتية مقاومة للظروف الطبيعية على مدى آلاف السنين.
هناك مصدران للحصول على الطين لصناعة الجص المصدر البحري وهو في الدرجة الرديئة ومنه يصنع الجص الخكري.
وأما المصدر الثاني فهو من مناطق ذات تربة صفراء على شكل رابية ولكنها ليست مرتفعات جبلية قاسية وهذه المناطق التي يجلب منها الطين تعرف بالمناجف ومفردها منجف والعامل الذي يشتغل فيها يسمى نجَّاف.
ومن أشهر مواقعها وافضلها لصناعة الجص والزخارف هو الذي يُجلب من قرية الأوجام ويجلب من منطقة تعرف بالوشب وهي مرتفعات هشة وليست جبلية يصنع من طينها الجص العربي فعند حرقها يكون خارجها جص عربي والداخلي هو القلب المستخدم لصناعة التختات والزخارف ويكون لون القِلب أحمر. وهناك أيضا المنطقة التي هي حول جبل البرّاق بالجارودية فهي من أفضل المناجف للصناعات الجصية.
إن صانعي الجص يطلق عليهم الجصاصة ومفردها الجصاص ولذلك هناك كثير من العوائل التي تحمل لقب الجصاص.
وأما عن مناطق صناعات الجص فقد كانت منتشرة في أنحاء محافظة القطيف من سيهات إلى صفوى ومن الملاحظ أنه يكاد لا يخلو مركز من مراكز الصيران (اي مصانع الجص) من وجود مسجد صغير بالقرب منه وهو رغم صغر حجمه وبساطة بنائه إلا أنه قد بني بطريقة متقنة جميلة جدا وهذا يدل على أن من قام ببنائه هم الجصاصة أنفسهم ليكون ملاذ لهم وقت أداء فرائض الصلوات وكذلك ليستظلوا عند جدرانه أو قات الراحة، وإن هذه المساجد إما يطلق عليها مسجد الجصاصة أو مسجد أبو الصيران وهي كثيرة كما هو في القلعة والبحاري وسيهات وغيرهم.
ومن أشهر مناطق صناعة الجص ومواقع الصيران هي: صيران القلعة خلف سور القلعة الشمالي الشرقي عند الطريق الفاصل في منطقة المسجد المعروف بمسجد الجصاصة. وموقع آخر في الساحة الشمالية الشرقية من مسجد الإمام الحسن بحي الكويكب، وأما في سيهات فموقعه في الجنوب الشرقي عند البحر والنخيل عند مسجد ابو الصيران. وهناك موقع في البحاري عند مسجد أبو الصيران والجصاصة بالقرب من حسينية العبكري.
وأما صيران تاروت فمواقعها عند مدخل الربيعية الشمالي عند بنك الرياض سابقاً وكانوا يعملونها على شكل أفران وتنانير كبيرة جداً وبطريقة مختلفة عن باقي المنطقة. وأما مواقع صيران القديح فهي عند نهاية المدخل الرئيسي للقديح مقابل واجهة البلدية الشمالية ويفصل بينها وبين البلدية الشارع عند بيت آل ناصر ويوجد مسجد صغير ايضا يبعد قليلا عنها وهناك صيران أخرى عند النهاية الجنوبية لمقبرة الرشالة في وسط الشارع حاليا وكان هناك منجف للطين الذي يعد لصناعة الجص والصيران. وان تابعنا مصانع الصيران الى الشمال فهناك مراكز لحرق الصيران في العوامية وصفوى وجميعها تقع بالقرب من بعض المساجد والعيون.
لقد برع القطيفيون في فن البناء والتجصيص وصناعة الجص وزخارفها الجصية المتنوعة وبنوا بيوتا تصل إلى مستوى القصور ولا زالت الشواهد قائمة تحكي قصص هؤلاء الماهرين في البناء بالجص. وقد تميزت كل منطقة في المحافظة بفن مختلف فأهالي سيهات مثلاً توصلوا لاستخدام ما يعرف بالهچ وهو الجص المتكور المتحجر الذي يقع في قاع الصار بحيث يصب عليه الماء فيتحول الى النوره الذي تطلى به البيوت بلون أبيض، كما ويخلطونه مع الزرنيخ لصناعة (دوا الحمام) اي مزيل الشعر.
وقد اهتدوا الى صناعة الجص العربي بشكل مستقل ولوحده بحيث يكون الصار كله داخل وخارج عربي (قِلب) وذلك باستعمال كومة صار صغيرة جداً وطريقة الشوي التدريجي شيئاً فشيء كما وقد استعملوا الكرب لإشعالها بدلاً من جذوع النخل وذلك في اسفل الصار.
ويصنف الصيران إلى أحجام متعددة وهذه الأحجام تقاس طبقاً لعدد الجذوع وهي:
صار ابو مية وخمسين ويصف فيه ١٥٠ جذع.
صار ابو مئة: وفيه مئة جذع
وصار ابو خمسين وفيه خمسين جذع
وأما أصغرها فهو ابو خمسة وعشرين.
تلك الزخارف الجصية المذهلة يقف خلفها فنانون ماهرون في النقش وهم كثيرون ولنكتفي بذكر البعض منهم فقط وهم من النقاشين الأواخر في القطيف والذين استمروا حتى نهاية الستينات فنذكر منهم مكي السنان وسعود صباخ (ابوعبدالعزيز) ابو علي الصفار.
لقد توقف استعمال الجص وصناعته بشكل متقطع بدءا من نهاية خمسينات قرن العشرين ولكنه استمر على استحياء إلى الستينات وخصوصا بعد أن لعب الاسمنت دوره الفعال وأصبح تواجده في المتناول.
*الأستاذ عبد الرسول الغريافي باحث في التراث ومؤرخ.
جميل جدا جدا جدا
ربي يزيدك استاذنا و اخونا الكبير على هذا الإثراء الفني . و طبعا هذا التراث يعم الساحل الشرقي بلا استثناء
ما شاء الله تبارك الله
توثيق جميل جدًا جدًا وموفق.